جميل النمري

داعشية العلمانيين ومدنية الإسلاميين!

تم نشره في الأحد 1 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:08 مـساءً

اللجوء الى القضاء هو الأسلوب الحضاري الصحيح في أي خصام بما في ذلك الإساءات الشخصية، خصوصا عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكننا في العادة نخشى استخدام الحكومة لهذا السلاح للتضييق على حرية التعبير، خصوصا توقيف المشتكى عليه وهو الإجراء الفوري المعتمد كما حصل مع العديد من الصحفيين.
الذي حدث أن هذا السلاح أخذت تستخدمه جهات سياسية لقمع حرية التعبير عند الآخرين. وقبل أيام فوجئت بمذكرة تفيد أنه تم الحكم علي غيابيا بالسجن ثلاثة أشهر بتهمة الإساءة للقضاء، وتبين لي بعد طلب ملف القضية من أجل الاستئناف أن نقابيا إسلاميا معروفا رفع علي دعوة بتهمة الإساءة للقضاء لأنني كتبت في حينه مستغربا رفض تكفيل أمين عمان السابق المهندس عمر المعاني للمرة السادسة، واستمرار بقائه بالسجن رغم تواضع التهمة المسندة إليه، وضمان بقائه في البلد تحت يد العدالة لحين صدور الحكم. وكان هذا موقفي المتكرر بشأن التوقيف وحجز الحريات، وهو أمر أصبح الإقرار به عاما، وعملت على معالجة حزمة التعديلات التشريعية الخاصة بالقضاء كأحد ثمار عمل اللجنة الملكية لتطوير القضاء التي أمر بها جلالة الملك.
بعد يومين من تسلمي المذكرة قرأت عن توقيف الناشط الحياصات بناء على دعوى أقامتها النائب ديمة طهبوب من التيار الإسلامي بسبب كاريكاتير انتقادي يضع النائب في خلفية "داعشية"؛ إذ تظهر النائب تمتطي جوادا وتحمل سيفا يقطر دما وخلفها فرسان ورايات سود. واشتعلت التعليقات بين مؤيد ومستنكر لموقف النائب، لكن أحد الحقوقيين "العلمانيين" وقف بقوة مع حق النائب في اللجوء إلى القضاء كأسلوب حضاري، بينما التوقيف هو مسألة تخص القضاء لا يتحمل المشتكي وزرها. ويلجأ علمانيون وليبراليون أيضا الى القضاء للشكوى ضد تشهير وتهديدات خطيرة لهم على مواقع التواصل، ومؤخرا تلقى كاتبان معروفان (زليخة أبو ريشة وباسل رفايعة) تهديدات صريحة تذكرهم بمصير الشهيد ناهض حتر، لكن كما يبدو لم يرفعا دعوة قضائية بل اكتفيا بلفت انتباه الجهات الأمنية التي قرأنا أنها تحركت، لكن لم يصل الأمر الى توقيف المعنيين وتحويلهم للقضاء.
في الآونة الأخيرة فإن الخطاب العلماني والمدني أصبح أكثر جرأة ووضوحا واتساعا في تقديم نفسه وأفكاره، وأخذ مواقف قوية من حوادث يظهر فيها عدم التسامح والتجاوز على الحرية والتنوع أو تصريحات وكتابات عدائية ومتطرفة من جانب رموز أو معلقين من التيار الديني.
في وسط هذه المعمعة ظهر الأستاذ زكي بني ارشيد يدعو إلى وقف الاحتراب بين الإسلاميين والعلمانيين بمقال لافت بدأه بالدعوة إلى حوار وطني شامل، وأنهاه  بنداء إلى العقلاء والحكماء ليتحملوا مسؤوليتهم التاريخية ويقولوا كلمة في إنهاء حالة الاحتراب والاغتراب. والحق أنها مبادرة طيبة وجميلة وجريئة لولا ان المتن من أول سطر افتقد التوازن والعدالة، وانحاز بصورة ظالمة ضد طرف واحد، ووجه اتهامات استخدمت نفس المخزون العدائي المعروف في تشويه وشيطنة العلمانيين، حيث لا ترد الإشارة إليهم إلا ككل واحد مع "الملاحدة" و"الإباحيين" و"المثليين".. إلخ إلخ. ويبدأ بني ارشيد مباشرة بالسؤال "لمصلحة من افتعال الصدام مع الدين والإيمان بالله والمقدسات؟!" بينما العلمانية تقوم على احترام كل إيمان بوصفه شأنا ضميريا خاصا بالأشخاص بعيدا عن السلطة والسياسة. ويستمر بني ارشيد في هذا الخط ليصل إلى افتراض أنهم يشكلون حالة داعشية مقابلة. وهذا شطط غير معقول! ما علينا.. سنضرب صفحا عن هذا ونمسك بالعنوان والختام وهذه الدعوة الطيبة، فننظر كيف نبدأ؟

التعليق