فرقة "الصعاليك" تُغنّي التراث الشامي من بيروت

تم نشره في الاثنين 2 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • باميلا كسرواني- متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

باميلا كسرواني 

متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

إذا صادفت يوماً على شبكات التواصل الاجتماعي مجموعة من الشباب والصبايا في أجواء عفوية يرقصون ويغنون ويعزفون مختلف الآلات الموسيقية، فهذا يعني أنك تعرّفت على فرقة "الصعاليك" السورية التي تجعل من الموسيقى سلاحها للتمرّد وانتقاد العادات السيئة في المجتمع العربي.
ولا عجب أنهم اختاروا اسم "الصعاليك" اسماً لهم كأفضل تجسيد للحركة الموسيقية التي يريدون اعتناقها. ويخبرنا عازف الإيقاع في الفرقة، عبد الله جَطل المعروف بـ"عبودي" والذي يُدير أيضاً أعمال الفرقة أن "الصعاليك كانوا شعراء وفرسانا في عصور ما قبل الإسلام". ويتابع أن الكثير من الشعراء المعروفين مثل تأبط شراً وعروة بن الورد كانوا من الصعاليك.
تنتقد فرقة الصعاليك العادات السيئة مثل الطبقية الاجتماعية وحرمان المرأة من الكثير من الحقوق وحتى الأمور التي أصبحت منتشرة في المجتمع مثل عمليات التجميل المبالغة.
مواضيع مختلفة تنعكس في كلمات الأغاني التي يؤلفون كلماتها ويبتكرون ألحانها ويغنونها. أغنية "سمرا وطويلة "مثلاً تتحدث عن شاب صادَف صبية أعجبته وصار يكتشف أن كل ما فيها مصطنع وأنها بغايةِ البشاعة تُطلّ انتقاداً لموضة عمليات التجميل الرائجة. أما أغنية "زمن النخوة"، فتتحدث عن انعدام النخوة في مجتمعاتنا بكلمات غنية عن الشرح "لو بتحركهم غنية، كنت كتبتها من زمان.. ولو مشكلتم طائفة، بِنسى كل الأديان… والقصة لو اقتصادية والدولار صار النية راحت النخوة العربية.. هي قصتنا من زمان…"، أو حتى أغنية "غزلت" وكلماتها "المريش عايش أمير وبيمشي على كيفو وبسير" التي تتحدث عن سيطرة الأغنياء على الفقراء مهما كانوا أقوياء فكرياً.
أغانٍ متعددة من توقيع أعضاء "الصعاليك" إلا أن أعمالهم لا تتوقف عند هذا الحد. فتريد الفرقة إعادة إحياء التراث الموسيقي الشامي؛ مشروع يحرصون عليهم حتى مع التغييرات التي شهدتها الفرقة التي أسسها الفنانان أحمد نفوري (عازف الغيتار) ومحمد خياطة (عازف الإيقاع) عام 2013 لينضم إليهم فنانون آخرون. ويخبرنا عبودي أن العديد انضموا إلى الفرقة وآخرون غادروا لأسباب متنوعة، إمّا لأنهم سافروا أو لأنهم لا يحملون فكر "الصعاليك" أو يحبون النمط الموسيقي. ويضيف "حالياً، نحن ستة أشخاص، بعد أن مُنع أحمد نفوري من العودة إلى لبنان. أنا وسام عبدالله (المغني وعازف العود)، ومنى المرستاني (مغنية)، وإنغر هانيسدال (عازفة الكمان)، ونذير سلامة (عازف القيثارة)، ومحمد خياطة (عازف الإيقاع)".
جميعنا نؤمن بأننا نريد أن نقدم أعمالاً من موسيقى "الفيوزون" ألا وهو، بحسب عبودي، عبارة عن دمج بين عدة أنواع موسيقية مثل الكلاسيكية، الصوفية، الروك، البلوز، الشرقي والغربي ليولد مزيجاً إيقاعياً جميلاً. مزيج ناقد وساخر لا يتناسى الوضع المتأزم في الوطن سورية مثل أغنية "شدينا الرحيل يا وطن" التي تسرد مأساة السوريين بعيون شخص وجد بيته الذي عاش وتربّى فيه مدمّراً وكأنه بات مسكوناً من الأرواح والأشباح. وهنا يقول عبودي "نحاول أن نعكس الحالة الاجتماعية من عيون الشباب العربي؛ أمرٌ ساعدنا على الانتشار لأن هذا ما يحتاجه الشباب. لا نحتاج لأغاني الحب والغرام المتوفرة بكثرة لكن لأغانٍ ساخرة ونقدية على غرار ما غنّاه الشيخ إمام وسيد درويش وزياد الرحباني".
ويشدد عبودي على أن الفرقة لا تتجنّب الغناء عن الحرب في سورية لا بل اعتمدت نهجاً واضحاً. ويقول "نحن فرقة من شباب سوريين متنوعين ومختلفين من ناحية الانتماء الديني والطائفي والسياسي ولكن الفرقة تجمعنا. كل واحد منّا لديه رأياً تجاه ما يحدث في سورية. لا نتجنّب الأزمة السورية ولكن نضوّي على الأمور المشتركة ولا نأخذ موقفاً لأنه متى انتميت إلى مكان ما خسرت الآخر ونحن هدفنا أن نجمع لا أن نفرّق".
إحياء التراث الموسيقي في كل منطقة بلاد الشام بدأ أولاً بالأغاني السورية. ويقول عبودي "هذا مشروع يُظهر للعالم الوجه الجميل لمناطق سورية ارتبط اسمها مؤخراً بأحداث بشعة وسننْتقل بعدها إلى تراث دول أخرى مثل لبنان وفلسطين..". وعن اختيار الأغاني، يخبرنا عبودي أنها تعود إلى مناطق مختلفة مثل السويداء، الساحل السوري، درعا وغيرها، بعضها قد يكون معروفاً من كل الناس وبعضها الآخر من أهل المنطقة فقط. ويتابع "نحاول الحفاظ على روح الأغنية بحيث أن المستمع الذي يعرفها يسمع أنغاما مألوفة بنكهة جديدة وإن لم يكن يعرفها، يسمع أغاني ذات وقع تراثي ببصمة "الصعاليك" المعاصرة". 
"غزالي غزال"، "شفتك يا جفلة"، "يما تعالي"، "من مفرق جاسم للصنمين" وأغانٍ تراثية أخرى إضافة إلى تلك الأغاني الجديدة تجذب العديد من المعجبين، سواء على شبكات التواصل الاجتماعي أو خلال الحفلات القليلة التي تحييها الفرقة في لبنان. ويطلعنا عبودي "لا يوجد عمرٌ محدد، من 15 إلى 60 أو 70 سنة ولكن، بطبيعة الحال، يشكل الشباب الشريحة الأكبر وأحياناً نجد أناساً لا نتخيل أنهم يسمعون هذا النمط الموسيقي. إلا أن أجمل ما في ذلك أننا كسرنا حاجز السوري-اللبناني في بيروت لأن قسماً كبيراً من جمهورنا من اللبنانيين؛ ما هو دليل أنّ الموسيقى تجمع الناس ولا تفرقهم على الرغم من كل القيود المفروضة علينا كفنانين غير لبنانيين في لبنان".
قيود كثيرة تحدّ من توسّع أعمال الفرقة وقد تكون أهمّها كون الفرقة من "الأندرجراوند" ومستقلة عن أي شركة إنتاج. وهنا يقول عبودي "نحن الصعاليك ولا نخضَع لقيود". وبالتالي، اختاروا فيسبوك ويوتيوب، أدوات متوفرة للجميع ومجانية، لتساعدهم على الحفاظ على استقلاليتهم ونشر أغانيهم. ويخبرنا عبودي "البداية كانت الفيديوهات تُصوّر بالهاتف من دون حتى ميكروفون وبعدها، بدأنا نصوّر بكاميرا لمحمد وتحوّلت هذه الفيديوهات بصمة للصعاليك، وكأن كل فيديو هو حفلة موسيقية خاصة للمشاهد". ويضيف "هذه الفيديوهات كانت عفوية وأحببنا أن نعتمد أسلوبها في كل المقاطع الأخرى التي صوّرناها لاحقاً حتى الناس يضلّوا يشوفونا من نفس الزاوية وكأن لدينا موقف ثابت من الموسيقى ومن أي شيء يحدث".
تواصل فرقة "الصعاليك" مغامرتها حتى لو أن أغانيها لا تدرّ عليها الأرباح أو حتى لو أن مشروع إصدار ألبوم بالأغاني التراثية الشامية قد لا يتحقق غداً. وحتى بعد سنوات من إطلاقها وبعد تغيير العديد من أعضائها، يبقى شعار البداية ثابتاً ألا وهو "كلنا شركاء في الحياة، الأرض لنا والموسيقى للجميع" لأن الأرض للجميع بغض النظر عن الانتماءات والأديان ولأن الموسيقى لا تعرف حدوداً وليست حكراً على أحد ولأنها نوع من أنواع الجمال ودعوة للسلام والحب؛ مهمة أخذها الصعاليك على عاتقهم!

التعليق