محمد أبو رمان

خطاب البغدادي و"المسكوت عنه"!

تم نشره في الثلاثاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:09 صباحاً

كان لافتاً تماماً تزامن الخطاب الأخير لزعيم تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية (داعش)، أبو بكر البغدادي، مع عودة التنظيم إلى شنّ هجمات كبيرة وشرسة في مناطق متعددة، من سورية والعراق!
البغدادي، الذي اختفى قرابة عام، عاد ليكرّس الصيغة الجديدة للتنظيم، ليس في "نصّ" خطابه، الذي تحدث فيه عن التناقض في أجندات الدول في المنطقة، وحثّ على الثبات والصمود والقتال، بل في ما وراء النص، أو ما يسمّى في تحليل الخطاب "المسكوت عنه" في النص!
خطاب البغدادي تجاوز تماماً مفهوم الخلافة ولم يشر إليه ولم يتمسّك الرجل به في أي فقرة من فقرات الخطاب، ولم يعش حالة "إنكار" لانهيار "دولته"، ولم يكرر اللازمة التي أصبحت شعار أبناء التنظيم "باقية وتتمدد"، بل انطلق من ذلك أصلاً ليؤسس لمرحلة جديدة تقوم على حرب العصابات والاستنزاف والاستمرار.
المسكوت عنه، أيضاً، في خطاب البغدادي ثلاثة أمور؛
الأمر الأول يتمثّل في الرهان على ثيمة الهوية السنّية، كبنية رئيسة في خطاب التنظيم وقدرته على الحشد والتجنيد، فهو قد خاطب "السنة المستضعفين"، في العراق وسورية واليمن، وباقي دول العالم العربي، ليقول لهم إن إيران نجحت في التمدد في دولهم، ودمّرت مدنهم، وإنّ الدول العربية عاجزة عن مواجهتها، وبالتالي سيبقى التنظيم هو "الممثل الشرعي" للهوية السنّية، والمدافع عن ملايين السنّة في تلك المناطق.
الأمر الثاني أنّه يراهن على عودة الانقسام الإقليمي والدولي حول العراق وسورية، مع الاستفتاء الكردي، والصراعات الإقليمية، وهي الظروف ذاتها التي استثمرها التنظيم للبروز والصعود في العام 2011، إلى أن تمكّن من السيطرة على مناطق شاسعة في العراق وسورية.
الأمر الثالث قدرة التنظيم الملموسة على إعادة الهيكلة والتكيّف مع المتغيرات والتحولات الواقعية والموضوعية، بالرغم من "صلابته الأيديولوجية"، وهي مفارقة ملحوظة، حصلت مع التنظيم في العام 2009، في العراق، عندما أعاد ترتيب أولوياته وهيكلة استراتيجيته، لمواجهة مرحلة الانحسار التي مرّ بها حينها، ثم عاد للصعود والتمدد لاحقاً، قبل أن يخوض الحروب والمعارك الأخيرة، التي فقد معها أغلب المناطق التي سيطر عليها.
نحن، إذاً، أمام داعش بنسخة جديدة، مرّة ثالثة، قفز فيها التنظيم من مفهوم الدولة وعاد إلى حرب العصابات والخلايا النائمة مرّة أخرى، وبرزت قدرته الكبيرة على التكيّف من خلال عمل كبير أدى إلى قتل قيادات في القوات الروسية، وأكبر حصيلة من القتلى في عمليات بيوم واحد، في حزب الله، وعشرات القتلى في صفوف النظام السوري!  
بالنتيجة؛ لن ينتهي داعش بخروجه من المدن الرئيسة، ولا حتى باستهداف قياداته وقتلهم، فالتنظيم أثبت قدرته على التكيّف واستبدال القيادات، وخطاب البغدادي كشف قدرة التنظيم على بناء تقييم موقف استراتيجي للظروف الواقعية والديناميكيات الإقليمية والدولية والاستفادة منها في الوقت المناسب.
طالما أنّ المشكلات الموضوعية قائمة والشروط التي أدت إلى صعود الراديكالية قائمة، مثل غياب التوافقات الوطنية والشعور بانعدام العدالة الاجتماعية، وأزمات الاندماج، ومشروعات الهيمنة وتوظيف التطرف لمصلحة دول المنطقة، والاستبداد والقتل وما يولّد مشاعر السخط والرفض والإحباط، فإنّ هذه المدخلات كفيلة برفد التنظيم بوقود العمل، بالرغم من وجود "جرثومة الفناء" في ثنايا أيديولوجيته الفكرية، وربما هذه المفارقة الكبرى في قصة صعود التنظيم وهبوطه!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »احسنت (مراقب)

    الثلاثاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
    استاذ محمد اتفق معك فيما ذهبت اليه وتعجبني جدا تحليلاتك واستقراءك للجماعات " الإسلامية"