بين العراق وسورية.. ما أشبه الليلة بالبارحة

تم نشره في الثلاثاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • مقاتل من قوات سورية الديمقراطية يحاول الاختباء من رصاص قناص قرب مستشفى الرقة - (أرشيفية)

د. سمير قطامي

ما أزال أتذكّر صورة وزير خارجية أميركا كولن باول في مجلس الأمن سنة 2003، وهو يعرض على شاشة ضخمة، شاحنات متنقلة في أرجاء العراق، مدّعيا أنها معامل سرية لإنتاج الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، وكان ذلك في سياق حملة حشد تأييد عالمي لغزو العراق.
كان الرجل يفيض حماسة وهو يعرض تلك الصور التي زوّدته بها أجهزة المخابرات، ويستند على معلومات تؤكّد أن صدام حسين يمتلك أطنانا من المواد الكيماوية والبيولوجية رغم مرور ثلاثة عشر عاما على عاصفة الصحراء، وحصار قاس تسبّب في وفاة الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ، وفرق التفتيش لم تترك شبرا في أرض العراق دون مسح لتجريده من أي سلاح كيماوي أو بيولوجي، أو صواريخ عادية!! ورغم أن مجلس الأمن لم يوافق على غزو العراق، قامت أميركا وحليفتها بريطانيا بعملية الغزو، ولكنهما لم تعثرا على أي مواد كيماوية أو بيولوجية، ومع ذلك قالتا لا ضير فنحن سندخل الديمقراطية إلى العراق لينعم الشعب العراقي بالحرية والديمقراطية كبقية شعوب العالم!! وها هو الشعب العراقي يعيش أفضل حياة ديمقراطية ببركات رسل الحرية الأميركان والإنجليز (اعتذر كولن باول بعد أن تكشفت الحقائق، واتهم أجهزة المخابرات بأنها ضللته).   
وما أزال أتذكّر رئيس وزراء بريطانيا توني بلير وهو يخاطب العالم مدّعيا بأن صواريخ صدام حسين محملة بمواد كيماوية وبيولوجية وقادرة على الوصول إلى لندن وعواصم أوروبا خلال 45 دقيقة، وأن أجهزة مخابراته ضبطت شحنات من اليورانيوم يستوردها العراق من النيجر. ( تبيّن بعد احتلال العراق وتدميره أن كل تلك الادعاءات كانت مفبركة وزائفة، وأن المسؤولين الذين قدّموها كانوا على علم بزيفها وتلفيقها).
لا بد من الاعتراف أن تلك الحملة المحمومة التي قادها عتاة المستعمرين، لتبرير غزو العراق واحتلاله، والصخب الإعلامي الذي رافقها، وحمى التقارير والأدلة (قبل أن يتبيّن زيفها)، أدخلت الشك إلى نفسي، بل أوصلتني  إلى حدود التصديق، لأن وراء تلك المعلومات أجهزة تسمع دبيب النملة، وتعرف كل ما يدور في أرجاء العالم، وتراقب كل صغيرة وكبيرة على وجه الكرة الأرضية، ولا يمكن أن تكون معلوماتها إلا دقيقة!
بتلك الحملة من الأكاذيب، وعمليات الفبركة والتزييف، وتواطؤ الإعلام الأميركي والأوروبي، تم غزو العراق واحتلاله، وقتل مئات الآلاف من أبنائه، ونهب كل شيء فيه، دون أن يعثروا على أي أسلحة كيماوية!!  
بعد سنوات من غزو العراق وتدميره وتشريد أبنائه، ظهرت في الغرب كتب ودراسات موضوعية تطرّقت للمؤامرة الدولية الكبرى التي نفّذت ضد العراق بناء على مجموعة من الأكاذيب والفبركات، كما شكلت لجان تحقيق دانت توني بلير وبوش وغيرهما من الساسة البريطانيين والأميركيين الذين زجّوا بلادهم في حرب غير شرعية، ولكن ذلك كله لم يقدّم شيئا للعراق، ولم يتفضّل أي سياسي بتقديم اعتذار، أو إبداء الأسف للعراقيين على ما لحق بهم من ضرر.
ما دفعني لإعادة هذا التاريخ ونكء الجراح، ما نشره قبل أيام الكاتب والمحلل الأميركي غاريت بورتر في مجلة (أميركان كونسيرفاتيف) من أن المخابرات الأميركية كانت تقدّم الأسلحة لإرهابيي القاعدة وحلفائهم الجهاديين في سورية منذ أواخر 2011.. كما يلقي الضوء على ما ذكره المسؤول السابق في إدارة أوباما، ديريك شوليت في كتابه (اللعبة الطويلة)، بأن مستشاري أوباما كانوا يتحدثون عن انتقال مدبّر للسلطة في سورية، ويحثّون أوباما على المطالبة علنا بتنحي الأسد.
يضيف شوليت أن أوباما وافق على عملية سرية لوكالة المخابرات المركزية، صممها مدير المخابرات ديفيد بترايوس، لنقل أسلحة من مخزونات الحكومة الليبية في بنغازي بالسفن، وترتيب شحنها إلى منطقة الحرب!! ويضيف أنه في تلك الأثناء كانت دول عربية وتركيا، ترسل الأسلحة إلى مجموعات لها صلة قوية بجبهة النصرة.
أما أخطر ما في الأمر فهو حديث شوليت عن استخدام السلاح الكيماوي في سورية، إذ يقول إن أوباما حدد خطا أحمر في نهاية 2012 لاستخدام السلاح الكيماوي، ليزعم من يسمون ثوارا أن النظام استخدم غاز السارين في هجوم شنّه ضد حمص. ورغم أن إدارة أوباما أجرت تحقيقا سريعا، ووجدت أن ذلك الغاز هو غاز مسيل للدموع، فإن ذلك لم يمنع الإرهابيين من الادعاء أن النظام استعمل السلاح الكيماوي في آذار ونيسان 2013، حيث كان الدليل على ذلك غائما في أفضل الحالات، كما يقول شوليت.
يتكشف كل ذلك الآن والحرب لم تنته بعد، ومع ذلك ما تزال أجهزة المخابرات الأميركية والغربية، تفبرك أدلة وقرائن لتثبت أن الجيش السوري يستخدم السلاح الكيماوي، كما حدث في حكاية خان شيخون الأخيرة،  وما تزال  الإدارة الأميركية وعواصم الغرب الاستعماري تحاصر الحكومة السورية بادعاءات باطلة حول استخدام السلاح الكيماوي، وترفض إشراك لجان محايدة للتحقيق. فهل يا ترى يعلم المسؤولون الغربيون زيف ما يعلن عن استخدام أسلحة كيماوية، ولكنهم يشتركون في اللعبة، أم أنهم مضلّلون من قبل الأجهزة الخفية التي تدير شؤون بلادهم كما كان كولن باول مضللا؟ ألم تصل المكابرة بالرئيس الأميركي ترامب أن يشير الأسبوع الماضي في مجلس الأمن، إلى استخدام الحكومة السورية السلاح الكيماوي في خان شيخون؟ فهل هو يدري أن الأمر كله كذب ومرتّب من قبل البنتاجون، وهو متواطئ معهم، ام هو مصدّق لما أملوا عليه؟ 
ما نشره الكاتب الأميركي غاريت بورتر (ترجمت مقالته في صحيفة الغد الأردنية  منتصف الشهر الماضي) وما كشفه ديريك شوليت في كتابه (اللعبة الطويلة)، من خفايا وأسرار ومؤمرات وتضليل وأكاذيب.. تصيب المرء بالغثيان، وتدفعه إلى فتح عيونه لأقصى مدى، ليرى حجم المؤامرة التي  تعرّضت وما تزال تتعرض لها سورية. فهل هناك ثورة شعب كما يدّعي سماسرة الدم؟ وهل صحيح أن الغربيين لا يكذبون، كما يقال؟

التعليق