ذكريات تدريب العاملين في التربية بالضفة الغربية

تم نشره في الثلاثاء 3 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

د. جودت أحمد المساعيد

تُقاسُ فاعلية الأستاذ الجامعي في العادة، ليس بمقدار تميزهِ في عملية تدريس طلابه فحسب، وليس بعدد البحوث الرصينة التي يُجريها ثم ينشرها في دورياتٍ علميةٍ مُحَكَّمَةٍ فقط، وإنما إضافةً إلى هذا وذاك، فإنه لا بد من أن يبذل كل الجهود المخلصة لخدمة المجتمع المحيط به، وأن يفيد أفرادهُ وجماعاتهِ كثيراً من مجال تخصصهِ العلمي العام والدقيق في وقتٍ واحد، وذلك في جوانب الحياة اليومية التي يحيونها.
ولما كان التخصص العلمي العام لي يتمثل في مجال التربية، وأن التخصص الدقيق هو في ميدان المناهج وطرق تدريس الدراسات الاجتماعية،  فإن الفئات المجتمعية التي يمكن أن تستفيد من ذلك، تتمثل في المعلمين، ومديري المدارس، والمشرفين التربويين، ومديري التربية والتعليم ونوابهم ومساعديهم في المناطق التعليمية المختلفة، هذا علاوةً على الاستشارات الفنية والمعرفية المختلفة، من جانب بعض المؤسسات الأخرى ذات الصلة.
ما إن التحقتُ أستاذاً بكلية العلوم التربوية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس في 1999 بتوصيةٍ من رئيس اتحاد الجامعات العربية في عَمَان، حتى علمتُ بأن الاتحاد الأوروبي يدعم برنامجاً لتدريب المعلمين والمعلمات في الضفة الغربية تحت مسمى: (المدرسة وحدة تدريب)، وهي عبارة عن اتجاه تربويٍ جديدٍ كان قد ظهر في ذلك الوقت، من أجل تدريب معلمي المدارس ومعلماتها داخل أسوار مدارسهم، بدلاً من تجميع المعلمين والمعلمات من مدارس عديدة في قاعةٍ واحدة أو قاعاتٍ متعددة، كي يتم تدريبهم من جانب متخصصين ترشحهم وزارة التربية والتعليم، فإن المدرب بموجب هذا الاتجاه التربوي هو الذي يذهب بنفسه إلى المدرسة، كي يدرب المعلمين والمعلمات، ضمن البيئة التعليمية التعلمية ذاتها.
في الشهر الأخير من 1999، وخلال عملي مديراً للمكتبات بجامعة النجاح الوطنية، دخل إلى مكتبي أحد الأشخاص، تبين أنه يعمل مشرفاً تربوياً في منطقة طوباس التعليمية. وبعد أن قام بتقديم نفسه، أشار إلى أنه في ضوء ما سمعه من طلبة ماجستير التربية، ومعظمهم من المعلمين والمديرين، فإنه يأمل بموافقتي على تدريب اثنين وعشرين معلمة في مدرسة عَقّابَا الثانوية للبنات، ضمن برنامج (المدرسة وحدة تدريب)، وبواقع عشرة لقاءات، تتم بعد انتهاء الدوام الرسمي مباشرةً، وبمعدل ثلاثة لقاءات أسبوعياً، ولساعتين لكل لقاء. وقد دار ذلك البرنامج التدريبي حول موضوع الصياغة السليمة لأسئلة الامتحانات المدرسية، على أن يخصص له ثلاثة لقاءات، وموضوع طرائق التدريس القديمة والحديثة، ويخصص له سبعة لقاءات، على أن يتم تطبيق كل ذلك على المناهج المدرسية المقررة، حتى يكون أيسر فهماً للمعلمات. وبالفعل، سارت الدورة التدريبية على أكمل وجه من إعطاء إطارٍ نظري أولاً، ثم طرح عشرات الأمثلة التطبيقية بعد ذلك.
وقبيل انتهاء البرنامج التدريبي لمدرسة عقّابا للبنات، استأذنت ضيفة من مدرسةٍ أخرى طالبةً حضور اللقاء قبل الأخير، فأذنتُ لها، كي يتبين فيما بعد أنها مديرة مدرسة طوباس الثانوية للبنات، وتريدني عمل دورتين تدريبيتين لمعلماتها الثلاثين: الأولى عن تنمية مهارات التفكير بأنواعها، والثانية حول طرائق التدريس المعاصرة، وبعشرة لقاءات لكل دورة، وبمعدل ساعتين لكل لقاء، وبأربعة لقاءات اسبوعياً بعد انتهاء الدوام الرسمي. وبالفعل تمت المباشرة في تلك الدورة في شهر كانون الثاني (يناير) 2000.
ما يميز هذه الدورة بالذات، التفاعل منقطع النظير عند تطبيق مهارات التفكير الناقد ومهارات التفكير الإبداعي المتعددة، بطرح كل معلمةٍ أمثلة تطبيقية عديدة من المادة الدراسية التي تقوم بتعليمها للطالبات، ما يؤكد استيعابها لتلك المهارات. أما بالنسبة لطرائق التدريس، فكم كان النشاط واضحاً والتنافس شديداً عند تطبيق أسلوب المجموعات الصغيرة، في الموضوعات المختلفة التي تتطلب استخدام طريقة حل المشكلات، أو طريقة الحوار القيمي أو السقراطي، أو طريقة العصف الذهني، أو طريقة لعب الدور، أو طريقة المحاضرة المعدلة، أو طريقة المحاكاة، أو طريقة المناقشة، أو طريقة تفريد التعليم، وعلى رأسها استخدام الحقائب التعليمية.
ومن الأشياء التي لا تُنسى في مدرسة طوباس الثانوية للبنات، أن مديرة المدرسة فيها، وهي ممن أدارت تلك المدرسة لأكثر من ربع قرنٍ بشكل متواصل، اختتمت الدورتين بعمل معرض تعليمي، دعت إليه المسؤولين في المناطق التعليمية المجاورة، ومديري ومديرات المدارس الثانوية القريبة، وأولياء أمور الطالبات، لعرض نماذج من أنشطة المعلمات، وبخاصةٍ الحقائب التعليمية التي قمن بتصميمها حول موضوعات من المقررات الدراسية وباستخدام الحاسوب، ما جعل الضيوف يبدون إعجابهم بما شاهدوه من مناشط تعليمية وتعلمية حديثة، ويسطرون ذلك بأقلامهم في دفتر الملاحظات المخصص لذلك.
كان لهذا المعرض أثر كبير في فتح الباب على مصراعيهِ لمديري المناطق التعليمية أولاً، وللعديد من مديري المدارس الثانوية ومديراتها ثانياً، في الطلب مني القيام بتدريب فئاتٍ مستهدفة عديدة لديهم، مما دفعني للطلب منهم توزيع توقيت تلك الدورات بينهم على طول الوقت المتبقي من العام الدراسي، فكان نصيب مدرسة كفر قدوم الثانوية للبنات دورة مطولة على مدى خمسة عشر لقاء، منها خمسة للصياغة السليمة للاختبارات المقالية والموضوعية، وعشرة لطرائق التدريس، مع التركيز على تفريد التعليم، أعقبتها دورةٌ في مدرسة كفر لبد الثانوية للبنات بعشرة لقاءات عن تحليل محتوى المنهج المدرسي، وبناء الحقائب التعليمية.
واستكمالاً لقطاع المدارس الثانوية، تمَ إلقاء محاضرات عديدة من جانبي حول ظاهرة قلق الامتحان،  حضرها الطلبة المقبلون على تقديم امتحان الثانوية العامة ومعلموهم والمديرون والمديرات في كل من: المدرسة الصلاحية الثانوية للبنين في مدينة نابلس، ومدرسة سيلة الظهر الثانوية للبنين، ومدرسة سيلة الظهر الثانوية للبنات، ومدرسة طوباس الثانوية للبنين في محافظة جنين، ومدرسة دير استيا الثانوية للبنات في محافظة سلفيت، حيث دارت بعد هذه المحاضرات مناقشات مثمرة، تمَ فيها الإجابة عن عشرات الأسئلة التي تدور في ذهن الطلبة بالذات، وكانت الإجابات تهدف إلى التخفيف من روعهم وقلقهم من امتحان الثانوية العامة.
انتقل الأمر بعد ذلك لخدمة المجتمع المحلي في مجالٍ أعلى من حيث الفئات المستهدفة، وهو مجال الإدارات العليا في المناطق التعليمية المختلفة من الضفة الغربية، وذلك من حيث مديرو تلك المناطق ونوابهم ومساعدوهم، ومديرو الدوائر المختلفة فيها، ثم جميع المشرفين التربويين للمواد الدراسية كافة فيها. ففي شهر نيسان (أبريل) 2000، قمتُ بتدريب هذه الطواقم جميعها في مديرية التربية والتعليم لمحافظة سلفيت، حول موضوعين تربويين هما: التخطيط التربوي، ومهارات التفكير، ولسبعة لقاءات تربوية، في حين تبعها في الشهر ذاته إقامة دورة تدريبية أخرى في مديرية تربية محافظة قلقيلية، وقد دارت حول زيادة تحصيل الطلبة ومهارات التفكير المتنوعة، ولثمانية لقاءات. أما الدورة الأخيرة فكانت للإدارات التربوية العليا في محافظة طولكرم، وركزت على طرق التدريس الحديثة ومهارات التفكير الناقد والإبداعي، وعلى مدى عشرة لقاءات.
لم تقتصر خدمة المجتمع على ذهابي إلى المدارس أو المناطق التعليمية لعقد برامج تدريبية للعاملين في قطاع التعليم فحسب، بل تمت إضافة إلى ذلك عقد دورتين تدريبيتين داخل جامعة النجاح ساهمتُ فيهما بفاعلية: الأولى كانت في شهر آذار (مارس) 2001، بعنوان (إدارة المعلومات وشبكة الإنترنت)، وعُقِدت في المكتبة الرئيسية للجامعة، عندما كنت مديراً لها، والثانية في شهر تشرين الأول (أكتوبر) من العام ذاته، بعنوان (مواجهة صعوبات التعلم)، وتمّ عقدها داخل القاعة الكبرى للجامعة.
ونظراً لما أحدثتهُ تصرفات جيش الاحتلال الصهيوني المدمرة على أبناء الشعب الفلسطيني بعامة، وعلى طلبة المدارس والمعاهد والجامعات على وجه الخصوص، خلال انتفاضة الأقصى من آثارٍ نفسيةٍ وتربويةٍ واجتماعيةٍ واقتصادية، ومناشدة المسؤولين بضرورة قيام أساتذة الجامعات من التربويين بإجراء الأبحاث خدمةً للمجتمع المحلي والعمل على حل مشكلاتهِ العديدة، فقد قمتُ بتشكيل فريق بحثي برئاستي، وأجرينا أحدَ عشر بحثاً  تمَ نشرها في مجلاتٍ علمية محكمة.
باختصار، فإن خدمة المجتمعات المحلية من جانب الأستاذ الجامعي التربوي، ينبغي ألا تقتصر على تدريب المعلمين والمديرين والمشرفين التربويين فقط، بل لا بد أن تتعداها كي تشمل تنفيذ أي طلبٍ للمؤسسات الاجتماعية تقع ضمن تخصصهِ، حتى لو كانت الظروف صعبة أو استثنائية كحالات الحروب وعدم الاستقرار، لأن الواجب في تلك الحالات يكون مضاعفاً، والتأثر الإيجابي على الفئات المستهدفة عند الانتهاء من تلك الخدمات، لن يكون مثنى فقط، وإنما ثُلاثَ ورباع في القيمة والأجر عند الله وقبل الناس.  

التعليق