سائد كراجة

أزمة العلمانيين

تم نشره في الأربعاء 4 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:02 صباحاً

تصنيف العلمانيين باعتبارهم زمرة محارِبة للدين هو عمل مدبرٌ في ليل، والهدف منه عزلهم اجتماعيا ووصمهم أخلاقياً، تمهيداً لمحاصرة أي فكر تجديدي سياسي أو اجتماعي او ثقافي. والحقيقة أن هذا التكتيك من أقدم أساليب توظيف الدين في السياسة، وهو غير مقتصر على أتباع دينٍ بعينه؛ فقد مارسته الكنيسة عقوداً عدة وتمارسه الحركات الدينية وعلى رأسها الإخوان المسلمون منذ مطلع القرن الماضي، والسرد المضمر في هذا التكتيك هو "نحن من يمثل الدين وحيث إن العلمانيين يهاجمون سياستنا، إذاً العلمانيون ضد الدين"، وطبعاً في هذا أغلوطة منطقية واضحة، ومناطها أن من المتفق عليه أن لا أحد يمثل الدين؛ لا الأحزاب ولا التيارات ولا حتى الدولة، وعلى الرغم من أن الدستور ينص على أن دين الدولة الإسلام، فهذا لا يطابق لغويا ولا دلالياً معنى أن الدولة تمثل الدين أو انها تتحدث باسمه، ذلك أن وسيلة خطاب الدولة مع الشعب هو القانون وليس الدين، فالدولة كيان قانوني وليست كيانا دينيا ولا أخلاقيا.
وإن كان لك أن تتفهم لجوء التيارات الدينية السياسية في محاربة خصومهم العلمانيين لمثل هذا التكتيك، باعتبار الغاية تبرر الوسيلة على حد تعبير ميكافيلي، فإنه من غير المفهوم أبدا ان تسمح الدولة لمؤسساتها ان تنقلب لرعاية هذا الخطاب، حيث تجد الموظف العام يمارس عمله اليومي سندا لتدينه الخاص وليس عملاً بالقانون، فتراه مخلصاً بعمله لأن تدينه ينص على ذلك أو أنه يعامل الناس على أساس ما يعتقد بأنه متطلب دينه، وينسى أن أساس تعامله مع المواطن يجب أن يكون القانون وليس تدينه أوعدم تدينه.
والواقع أن كثيراً من القرارات التي يتخذها الموظف العام يومياً وفي قطاعات متعددة أساسها تدينه الشخصي، وما يتبعه من حكم أخلاقي على شكل المواطن وملابسه او نوع النشاط وتفهمه له، وقد كان إلغاء حفل موسيقي أو معارضة مهرجان فني أو الهجوم الأمني على المطاعم التي تعمل في رمضان أمثلة عملية على إقحام فكرة الدولة المتدينة على الأرض. والحقيقة أن هذه الممارسة تشكل مخالفة للقانون باعتبار أن الموظف العام يجب أن يكون شخصا حيادياً من الناحية الدينية لأن واجبه الأساسي هو تطبيق القانون ولا شيء غير القانون، فلا يجوز له أن يميز ضد شخص لمظهره غير المتدين أو أن يحابيه لأنه متدين، مهمة الموظف العام والدولة ومؤسساتها هي تطبيق القانون فقط وليس أخلاق الموظف أو تدينه أو تربيته.
ومن الأمثلة الحديثة على استخدام هذا التكتيك هو الخطاب الصادر عن أحد قادة الإخوان المسلمين، والذي دعا فيه إلى كلمة سواء بينه وبين العلمانيين، والحقيقة أن المسكوت عنه في هذا الخطاب إعلانه أن الإخوان المسلمين يمثلون الدين، وهم المكلفون بحمايته داعياً العلمانيين لوقف الهجوم على الدين، وبصوت "الضحية" دعا إلى الُلحمة الوطنية، وهذا الخطاب نسي أن الإخوان ورموزهم هاجموا من على جميع المنابر وعلى رأسها المنابر التي ترعاها الدولة وبأموال دافعي الضرائب كل رأي وكل شخص وذات ليست على نهجهم او شكلهم الاجتماعي والسياسي. فقد هاجموا كل مهرجان او عمل فني أو نشاط ثقافي ووصموه أخلاقياً رغم أنه قانوني سنداً لقوانين الدولة، وبمراجعة لبعض مواقفهم في العمل الحزبي فإن هذه المواقف تقف على جبل من سلوكهم في رفض الآخر ووصمه وقمعه ومهاجمته واستغلال الدين والمنابر الدينية في ذلك.
إن وجود أحزاب سياسية ودولة تتوسل التدين في نشاطها السياسي يخنق كل فضاء للحوار الحضاري ويحارب كل فرصة لتعايش الأديان، لقد صار ضرورياً التوافق على ميثاق مواطنة أردنية أو مراجعة عملية للعقل السياسي الأردني؛ فإن كنا حريصين على الحفاظ على الوطن ومستقبله فيجب وقف التذرع بالتدين لتحقيق مكاسب سياسية ولعل في الحركة الدينية التونسية مثالٌ على ذلك، ونذكر مرة أخيرة أن الدولة هي كيان قانوني وليس أخلاقيا أو دينيا، وفي الالتزام بهذا الفهم؛ أحزاباً ودولة ومواطنين، تكمن حماية الدين والمتدينين والمواطنين عموماً، فهل يعقلون؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »العلمانية مدرستان لا يجوز الخلط بينهما إحداهما منفتحة والثانية متحجرة (تيسير خرما)

    الأربعاء 4 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
    العلمانية مدرستان يحظر الخلط بينهما إحداهما متحجرة كعلمانية أتاتورك تركيا وبعض دول أوروبا ولا يقبل فكرها أن يشاركها بالوطن من يؤمن بدين سماوي بينما المدرسة العلمانية الثانية منفتحة كعلمانية أمريكا وبريطانيا وكندا وأستراليا لا تعادي الدين السماوي وبالتالي يعتبر كل من الفريقين المتدين وغير المتدين نفسه فيها علمانياً منفتحاً ولا يحظر فكر الآخر أو مشاركته بالسياسة والحكم والوطن. وبالأردن تجد علمانيين من الفئتين فالمنتمي لعلمانية متحجرة يود احتكار السياسة والحكم والوطن ويرفض تواجد من يؤمن بدين سماوي.