ضرورة إنقاذ اتفاق إيران النووي

تم نشره في الأربعاء 4 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً - آخر تعديل في الأربعاء 4 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • أحد اجتماعات مجموعة (5+1) أثناء التفاوض على الاتفاق النووي الإيراني – (أرشيفية)

آنا بالاسيو*

مدريد- وفقا لإحدى القواعد المهمة القائمة على الخبرة والتجربة في الدبلوماسية: إذا لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق بشأن قضية ما، فما عليك إلا أن تعمل على توسيع نطاق المناقشة. واليوم، ربما تكون الولايات المتحدة عازمة على قلب هذا المبدأ رأساً على عقب، بحيث تعمل على توسيع نطاق المناقشة بهدف تدمير اتفاق قائم بالفعل. وهو ليس أي اتفاق. إن ما تريد إدارة الرئيس دونالد ترامب فعله هو تفكيك الاتفاق النووي مع إيران. ولكن، وفي حين وَصَف ترامب الاتفاق على أنه "مصدر خزي وحرج" في خطابه أمام الأمم المتحدة، فإن الاتفاق الذي توصل إليه المجتمع الدولي مع إيران يُعَد في واقع الأمر من أهم الإنجازات الدبلوماسية التي شهدها العقد المنصرم.
كانت إيران دائماً دولة صعبة المراس في المفاوضات الدولية. ومع توزع القوة بين مجموعة لا حصر لها من القوى والشخصيات التي كثيراً ما تتعارض -أو حتى تتنافس في ما بينها، يُصبِح من الصعب للغاية فهم بيئة التفاوض، ناهيك عن الإبحار عبرها.
في هذا السياق، سيكون مسعى التوصل إلى "صفقة كبرى" من شأنها أن تعالج كامل نطاق سلوك إيران الضار والمقلق -ليس برنامجها النووي والصاروخي فحسب، بل وأيضاً دعمها للإرهاب الدولي، وزعزعتها للاستقرار الإقليمي، وانتهاكها لحقوق الإنسان- أمراً غير واقعي. ولذلك، لا بد من الإبقاء على موضوع البحث ضيقاً وقائماً بذاته قدر الإمكان، حتى يمكن الوصول إلى أي نتيجة حقيقية.
كان هذا هو النهج في التعامل مع المفاوضات التي جرت حول البرنامج النووي الإيراني. والواقع أن "خطة العمل الشامل المشتركة" الناتجة عن ذلك هي تسمية مغلوطة. فهي لا تعالج برامج الأسلحة المرتبطة بالأنشطة النووية، ولا تضمن عمليات التفتيش في المنشآت العسكرية، وأغلب نصوصها ستكون سارية المفعول لمدة عشر سنوات فقط.
ولكن، لم يكن من المفترض أن تغطي خطة العمل الشامل المشتركة كل شيء. بل كان المقصود منها بدلاً من ذلك إبعاد التهديد الوجودي المتمثل في برنامج إيران النووي عن طاولة التفاوض لفترة كافية لبناء أساس لمشاركة أكثر إيجابية وكفيلة بتحقيق التقدم على جبهات أخرى. وهكذا، كان ذلك الاتفاق بداية، وليس غاية في حد ذاته.
ومع ذلك، قبل أن تمر فترة طويلة، ربما تنغلق النافذة الدبلوماسية التي فتحتها خطة العمل الشامل المشتركة. ذلك أن الرئيس مُطالَب بموجب القانون الأميركي بالشهادة أمام الكونغرس كل تسعين يوماً بأن إيران لم تنتهك الاتفاق، وأن استمرار تعليق العقوبات هو أمر "بالغ الأهمية للمصالح الأمنية الوطنية" للولايات المتحدة. وفي أوائل أيلول (سبتمبر)، اقترح سفير الولايات المتحدة إلى الأمم المتحدة، نيكي هالي، أن نسف الاتفاق النووي الإيراني لن يكلف ترامب سوى الزعم ببساطة أن أفعال إيران الشريرة الأخرى ضارة بالقدر الكافي لاستحقاق العقوبات.
كان الهدف من خطة العمل الشامل المشتركة إبعاد القضية النووية عن طاولة التفاوض لتمكين الأطراف من معالجة كل شيء آخر. وإذا أعادت الولايات المتحدة كل شيء آخر إلى طاولة المفاوضات مرة واحدة، فسوف ينهار الاتفاق.
في هذه الحالة، تُصبِح إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات مستحيلة عملياً. ولن تكون الولايات المتحدة وحدها قادرة على فرض عقوبات قوية بالقدر الكافي على إيران لتأمين هذه النتيجة، في حين سيكون من غير المرجح إلى حد كبير أن يعيد الاتحاد الأوروبي -المهندس الأساسي لخطة العمل الشامل المشتركة- فرض العقوبات على أيران التي تفي بالتزاماتها. وبوسع المرء أن يفقد الأمل تماماً في عودة روسيا والصين إلى العملية.
من الواضح أن العواقب المترتبة على مثل هذه النتيجة سوف تمتد إلى خارج حدود إيران. وقد شكلت خطة العمل الشامل المشتركة مثالاً معاصراً نادراً للتعاون الدولي، وهي تُثبِت جدارة نظام العقوبات واسع القاعدة. وهي في حالتنا هذه توفر دَفعة كبرى للنظام العالمي القائم على القواعد والذي تعتمد عليه أوروبا بشكل خاص. وبالتسبب في زوالها، ربما تلحق إدارة ترامب أشد الضرر بالمبادرات متعددة الأطراف في المستقبل.
من منظور إقليمي، تُعَجِّل نهاية خطة العمل الشامل المشتركة بتهميش أميركا في الشرق الأوسط. فقد كان اتفاق إيران عنصراً أساسياً في جهود الرئيس باراك أوباما لتخليص الولايات المتحدة من تورطها في المنطقة؛ حيث وَعَد بتحييد واحد من المصادر الرئيسية لعدم الاستقرار والذي يستلزم استمرار اهتمام الولايات المتحدة بالمنطقة بالضرورة. ولكن، بعيداً عن استعادة الوضع الراهن، ربما يتسبب قتل الاتفاق في جعل أميركا أقل مصداقية في التعامل مع شؤون الشرق الأوسط.
في الأمد القريب، ربما تشغل الفراغ الاستراتيجي جزئياً روسيا التي استغلت بالفعل فرصة انسحاب أميركا التدريجي من المنطقة لتعزيز موطئ قدمها هناك. وبعد أن رسخت نفسها باعتبارها قوة محورية من خلال تدخلها العسكري في سورية، تستخدم روسيا الآن مواردها من الطاقة لتوسيع نفوذها -مع كل ما يترتب على ذلك من عواقب جيوسياسية وأمنية بعيدة المدى.
في هذا السياق، أبرمت شركة النفط الروسية التي تسيطر عليها الدولة، روزنفت، اتفاقات مسبقاً في مصر، وكردستان العراق، وليبيا، في حين كانت نظيرتها، زاروبجنفت، تلاحق مشاريع تطوير النفط والغاز في إيران. ومن ناحية أخرى، تمضي شركة الغاز الروسية العملاقة، غازبروم" قدماً في تمديد ما يسمى خط الأنابيب توركستريم. أضف إلى ذلك خط أنابيب نورد ستريم المرتقب الذي سيربط روسيا بألمانيا مباشرة، فتتلاشى بسرعة آفاق الاتحاد الأوروبي في ما يتصل بتنويع إمداداته من الطاقة، وهو الذي يشكل أهمية بالغة لأمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي.
في الأمد الأبعد، ربما يؤدي غياب الولايات المتحدة عن الشرق الأوسط إلى إطالة أمد الفوضى والدمار اللذين اتسم بهما هذا العقد من الزمن، مع اشتداد حدة التداعيات على أوروبا. ومن المؤكد أن هناك سيناريو بديلاً: ربما تتوصل إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا إلى اتفاق ضمني (أو حتى اتفاق فاعل) بشأن تقسيم النفوذ في المنطقة، والذي يقضي باستبعاد الأطراف الخارجية. ولكن، وبالنظر إلى الخصومات التي طال أمدها في المنطقة، فإن نشوء مثل هذا النظام ليس مضموناً على الإطلاق.
ثم هناك العنصر النووي في هذا التحدي. فقد عرضت خطة العمل الشامل المشتركة نموذجاً لجهود منع الانتشار، والذي شمل الفصل بين الطاقة النووية -المصدر الآمن الجدير بالثقة للطاقة- وبين انتشار الأسلحة النووية. وإذا عمدت إدارة ترامب إلى رفض هذا النموذج، فإن تطبيقه في المستقبل في أي مكان آخر يُصبِح أكثر صعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
يدرك القادة الأوروبيون أهمية خطة العمل الشامل المشتركة. والآن، يتعين عليهم أن يتخذوا التدابير اللازمة لإنقاذها. ولتحقيق هذه الغاية، ينبغي لهم أن يعملوا على إقامة علاقة مع إيران تتجاوز الولائم والمراسم الرامية إلى تسهيل الاستثمار الأوروبي أو الترويج للشراكة المزمعة في مجال الطاقة، فتعالج قضايا أخرى معلقة، مثل الصواريخ ذاتية الدفع، والإرهاب، وحقوق الإنسان.
يتطلب تحقيق النجاح الحديث الصريح، والمشروطية، والمزيد من العقوبات -أجل، المزيد منها. والواقع أن ترامب على حق عندما يؤكد ضرورة بذل المزيد من الجهد لكبح جماح إيران. ولكن خطة العمل الشامل المشتركة هي التي ينبغي أن تعمل كمنصة لمثل هذا العمل. وهذا هو بيت القصيد.

*وزيرة سابقة للخارجية الأسبانية ونائب رفيعة سابقة لرئيس البنك الدولي، وهي عضو في مجلس الدولة الإسباني، ومحاضرة زائرة في جامعة جورجتاون، وعضو مجلس الأجندة العالمية المتعلق بالولايات المتحدة في المنتدى الاقتصادي العالمي.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق