إبراهيم غرايبة

المدن والإبداع والتقسيم الاجتماعي

تم نشره في الخميس 5 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:07 صباحاً

يجد لويس ممفورد  وهذا أمر محزن أن الاحتكار والطبقية الجائرة التي صاحبت تشكيل المدن أنشأت أيضا الإبداع والتقدم، فالمدينة ليست كما يقول سوى وعاء خاص لاختزان الرسائل ونقلها، وفي مبتدأ الأمر ربطت كل وظائفها الخلاّقة بالدين، وكانت الرسائل المقدسة أعظم رسائلها شأنا، وهذه الرسائل المقدسة المسطورة في النجوم، أو في أحشاء الحيوانات، أو الاحلام أو التخيلات أو التنبؤات، كانت تدخل في نطاق اختصاص رجال الدين، وقد احتكروا القوى الخلاقة زمنا طويلا، وعبّرت أوضاع المدينة عن ذلك الاحتكار.
ما حققته المدينة من مظاهر القدرة الخلاقة حدث نتيجة لقيام أقلية ضئيلة متصلة بالمعبد والقصر باغتصاب الوسائل الاقتصادية للإنتاج والتوزيع، وفي ملحمة الخليقة يقول ماردوك عن الإنسان "فلندعه يثقل كاهله بأعباء الآلهة ليتيسر لها أن تستريح". ويتساءل ممفورد هل نخطئ كثيرا إذا ترجمنا ذلك كما يلي: فلندع رعايانا يثقلوا كاهلهم بأعباء العمل اليومي ليتيسر لأهل السلطة السياسية والدينية أن يستريحوا؟
لقد اعتبرت هذه الفئة القليلة أنه ليس لغيرها الحق في امتلاك موارد عظيمة، إذ كانت لا تعتبر نفسها ملزمة برفع مستوى حياة الأغلبية المكونة من الفلاحين والصانعين إلى نفس مستواها، ورجال الدين بممارسة سلطتهم المقدسة في بناء الهياكل وتنظيم الطقوس الدينية ثم بإخفاء أسرار محتويات سجلاتهم أو بالأحرى التعاويذ السحرية والمدونات الرياضية والمشاهدات العلمية المحتفظ بها في السجلات؛ بهذا كله دعم رجال الدين السلطة الحاكمة التي كانت فيما عدا ذلك لا تستند إلا إلى تأييد موظفي الحكومة ورجال الجيش. ونتيجة للسرية إضافة بالطبع إلى التخريب في الحروب فإن شطرا كبيرا من جلائل أعمال المجتمع الحضري قد تبدد، بل إن شطرا كبيرا منها لم تتهيأ له فرصة النمو الازدهار.
وفي الثورة العامة التي وقعت في مصر بحدود 2300 ق.م تقول سجلات الكهنة إن الطبقة العليا أبدوا سخطهم من اقتحام العامة للمعابد وحدثت فظائع كثيرة .. فقد قرئت كتابات الموئل السامي (المعبد)، إن مكان الأسرار قد أزيل الستار عنه واصبح السر مكشوفا للأعين. بل إن هذا الاطلاع اعتبر اكثر بشاعة من الاعتداء على نساء الطبقات العليا! .. لكن إذا نسينا الإسراف والظلم والاحتكار فمن المؤكد أن هذا الاستئثار قدم للإنسانية معارف وابتكارات مهمة ومفيدة.
وشمل النمو الحياة الداخلية للمدينة، فكانت الأحلام تطفو وتتخذ شكلا يعبر عنها، وكانت الأوهام تتحول إلى دراما، والرغبات الجنسية تزهر شعرا ورقصا وموسيقى، وأصبحت المدينة تعبيرا جماعيا عن الحب مجردا عن دوافع التوالد الجنسي، وألوان النشاط التي كانت في القرى والمجتمعات البدائية لا تدب الحياة فيها إلا في الأعياد أصبحت جزءا من الحياة اليومية في المدينة، وما بدا بمثابة تحويل للبيئة على نطاق واسع أصبح تحويلا للإنسان.
لم يكن التعليم والابداع والفن هدفا أساسيا في المدن والمجتمعات. وحتى اليوم فنحن نبذل من التضحيات لأجل التدمير والإبادة أضعاف ما نبذله لأجل الفنون الخلاقة، لكن عن طريق ما تؤديه الأعمال الخلاقة في الفن والفكر والعلاقات الشخصية؛ يمكن التعرف على المدينة بوصفها شيئا أكثر من مجرد نظام فعال للمصانع والمتاجر والثكنات والمحاكم والسجون ومراكز السيطرة، .. وتذكرنا أبراج المدينة التاريخية وقبابها بذلك الأمل الذي لم يتحقق بعد.

التعليق