إبراهيم غرايبة

المدينة في مواجهة الدولة

تم نشره في الجمعة 6 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:08 مـساءً

ظهرت المدن قبل الدولة المركزية أو الممالك التي تضم أقاليم ومدنا متعددة، وهي في ذلك مستقلة عن الدولة في روايتها المنشئة وفي فلسفتها وهويتها وأهدافها، ويجب أن تظل مستقلة، ويبدو اليوم أننا في مواجهة استحقاق مؤجل، فالدول في هيمنتها على المدن، وبنائها العواصم والمراكز الكبرى المتطورة كانت أيضا تنشئ فناء المدن وانحلالها. إذ عندما تحولت المدن إلى مراكز للإمبراطوريات والممالك الكبرى أو تابعة لها، اتسعت كثيراً وفقدت استقلالها وولايتها على أهلها ومواردها، لم تعد فضاء جميلاً ديمقراطياً لجميع الناس والطبقات والأعمال والفنون والقضاء، لكنها تحولت إلى مركز منظم تنظيماً دقيقاً للسيطرة على الناس وإخضاعهم وحشدهم، وتصنيفهم اجتماعياً واقتصادياً بالتدخل القسري، فالمدينة عندما زاد عدد سكانها تعين عليها اللجوء إلى توسيع نطاق المساحة اللازمة لإنتاج القوت الضروري أو توسيع مدى وسائل التموين والاعتماد على مجتمع آخر عن طريق التعاون والمقايضة والتجارة أو عن طريق الجزية قسراً ونزع الملكية والإبادة، فكان على المدينة أن تقرر هل تلجأ إلى السلب أم التكافل، إلى الغزو أم التعاون؟ لكنه اتساع مثل الفقاعة على رغم كبرها وروعتها فإنها هشة وتفتقر إلى التماسك الداخلي.
هكذا فإن المدن برغم أنها  كما يصفها لويس ممفورد، أنفس مبتكرات الحضارة الإنسانية، ولا يدانيها أو يفوقها في الحضارة سوى اللغة؛ فإنها اليوم تواجه تحديات وجودية، وهي وإن لم تكن طارئة او مفاجئة فإنها تغير في طبيعة المدن واتجاهاتها، وربما تخفيها، وبالطبع فإن ذلك لا يحدث فجأة مثل كارثة كونية، لكن وكما نشأت المدن وتطورت استجابة لتفاعلات تكنولوجية واجتماعية واقتصادية، فإنها تواصل الاستجابة والتحدي بالطريقة نفسها، وفي ذلك فإنها تختفي!
لكن المدن ظلت على الدوام قادرة على تجديد حيويتها باستمرار بعناصر جديدة من المناطق الريفية كانت غضة غير مصقولة زاخرة بالقوة البدنية الخام، والحيوية الجنسية والتلهف على الإنجاب، والإيمان العميق، فكان أولئك الريفيون يعيدون تغذية المدينة بدمائهم وأكثر من ذلك بآمالهم. لكن القرى اليوم تتحول إلى مدن أو شبه مدن! هكذا فإن المدينة برأي ممفورد ستختفي لأن القرية تختفي. لم يكن تحول القرية إلى مدينة مجرد تغيير في الحجم والقياس، وإن كان قد انطوى على هذين العاملين، بل إنه كان على الأصح تغييراً في الاتجاه والهدف تبين في نوع جديد من التنظيم. وأكثر ما يلفت النظر في الأرقام المتعلقة بمساحة المدن والبيوت وعدد سكانها هو ثباتها المدهش مدة حوالي خمسة آلاف سنة.
لقد حددت وسائل الاتصال حجم المدينة، كيف يمكن مخاطبة أهلها والتواصل معهم، حيث لم يكن سوى الطبول والأصوات وأجراس الكنائس ومآذن المساجد. ما حدود المدينة اليوم عندما لا يكون حدود لوسائل الاتصال؟ يقول وليام جيمس إن منزل الإنسان وممتلكاته تصبح جزءاً من شخصيته، شأنها شأن معرفته وعواطفه وآرائه وأفعاله، وإذا صدق هذا عن الفرد فإنه أكثر صدقاً عن المجتمع، كيف يمكن اليوم تحديد شخصيات المدن والمجتمعات وهوياتها؟
لقد كانت الحروب مثل العلم منتجاً مصاحباً للتقدم، ولم تكن قبل ذلك سوى صراعات ومناوشات ضحلة أقرب إلى التسويات! وهكذا على سبيل المثال دمرت المدن والبلاد في القرن العشرين، وأعيد تقسيمها وتخطيطها من جديد، فقتل في حروب القرن 187 مليون إنسان، ومؤكد أن قضية استقلال الكرد ليست سوى تداعيات النمو السرطاني للمدن المركزية والدول العملاقة، وصار مصير المدن والشعوب رهناً لإرادة المنتصرين والتسويات التي يجرونها مع المغلوبين، ولا يمكن اليوم تقدير مستقبل كردستان بعيداً عما يمكن أن يحدث لنتائج الحرب العالمية الأولى ثم الثانية والتبدلات والتغيرات التي تحدث للمنتصرين والمهزومين، وإن بدا مرجحاً أن المنتصرين في الحرب العالمية الأولى مايزالون منتصرين بل ويزيدون قوة وانتصاراً كما حدث في أواخر القرن للاتحاد السوفياتي والبلقان، فليس ما يمكن قوله سوى اتجاهات وأفكار المنتصرين وما يمكن إحرازه من تسويات.

التعليق