على سبيل النقاش الهادئ مع قطاع "الإقراض الصغير"

تم نشره في الأحد 8 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

أحمد أبو خليل

عمان- رغم أن مصطلح "الإقراض الصغير" جديد نسبيا في الأردن، ويعود فقط إلى عقدين من الزمن أو أكثر قليلاً، إلا أن التجربة الوطنية في هذا الميدان تعود إلى أكثر من خمسين سنة.
لنتذكر مثلاً: "مؤسسة الإقراض الزراعي" ثم "بنك الإنماء الصناعي" فضلاً عن مساهمة قطاع التعاون في الإقراض، ثم تجربة "صندوق التنمية والتشغيل".
إن النماذج الثلاثة الأولى كانت نتاج تفكير تنموي وطني إلى حد كبير، ولكنها جميعاً لم تكن تقدم نفسها تحت عنوان "الاقراض الصغير" بالمعنى والممارسة الدارجين حالياً.
المرحلة الجديدة شهدت توسعاً؛ وذلك بعد نجاح تجربة "بنك الفقراء" (بنك جرامين) في بنغلادش، وصعود نجم مؤسسه
د. محمد يونس، وقد عقدت أول قمة دولية للقطاع برعاية الرئيس كلنتون عام 1997، ثم تتالت القمم، ومُنح محمد يونس جائزة نوبل "للسلام"! وليس للاقتصاد مثلاً، لأن لجنة الجائزة نظرت إلى فكرته الريادية باعتبارها حلاً سلمياً لمشاكل الفقراء بعيداً عن مساءلة الأغنياء والصراع معهم، أي أنها حفظت السلام الداخلي.
لكن يوميات قصة محمد يونس في بنغلادش مع بنك الفقراء، كما وثقها بنفسه وكما كتب عنها آخرون، غنية بعناصر التنمية والمداخل الإنسانية المبدعة لقضايا الفقراء، وقد خاض الرجل صراعا طويلاً مع المؤسسات والمنهجيات القائمة.
كانت فكرته الأساسية تقوم على أن حق (الاقتراض) يجب أن يُتعامل معه كحق للإنسان، بما في ذلك الإنسان الفقير، وإذا كانت المؤسسات تعترض على إقراض الفقير لأنه لا يملك ضمانات، فقد دافع يونس عن أن لدى الفقير ضمانات أكثر ثقة، تتمثل في أن الاقتراض لغايات البدء بمشروع صغير هو بالنسبة للفقير مسألة حياة أو موت، ثم أن الفقراء ينتظمون في علاقات اجتماعية ثقافية محلية يمكن أن تشكل ضماناًت موثوقة... وهكذا إلى ان طور أنموذجاً كاملا في الصراع مع الفكر المصرفي الرسمي، والقصة على كل حال في منتهى "الجمال" وتستحق القراءة.
غير أن الفكرة سرعان ما حققت اهتماما دولياً، وتحولت إلى "قطاع واعد" وغني بالفرص الاستثمارية! وبسرعة أصبح لقب "بنك الفقراء" جذاباً.
أرجو أن يعذرني القارئ بإيراد الحادثة الشخصية التالية والطريفة: فمن بين أفكار محمد يونس التنموية الجميلة، أنه رأى أن علم الاقتصاد "الرسمي" ينظر إلى المجتمع بعين الطائر، بينما تتطلب معالجة الفقر النظر إلى المجتمع "بعين الدودة" أي في التفاصيل.
وقد حصل العام 2004 أن حضر يونس إلى الأردن للمشاركة بمؤتمر دولي للإقراض الصغير عقد في عمان، وعلى الهامش، التقيته وذكّرته بفكرة الطائر والدودة، وسألته: ألا يوحي لك المشهد الحالي للاقراض الصغير أن الطائر التقط الدودة وطار بها إلى الأعلى، وصارت هي أيضاً تنظر بعين الطائر؟ ضحك الرجل و"دق كفاً" معي! (ذلك أن "دق الكف" في لغة الجسد مفردة عابرة للثقافات).
طريقة جمع المعلومات
وقد يكون من المفيد الإشارة إلى ان المعلومات الواردة هنا، جمعت ميدانيا على مدى زمن كاف، من خلال الأساليب التالية:
• زيارات عدد من فروع الشركات وإجراء مقابلات غير رسمية مفتوحة باشتراك أكثر من موظف أثناء سير العمل، حيث إن سير العمل بحد ذاته يعد هنا جزءًا من البحث والدراسة.
• إجراء لقاءات مع المجتمع المحيط ببعض الفروع، مثل المحلات القريبة والمجاورة والاستفسار عن انطباعهم وموقفهم.
• المراقبة والمشاركة في صالات الاستقبال ومحاورة العملاء الذين ينتظرون اكتمال معاملاتهم والاستماع الى تجربتهم مع القطاع، أي مع سوق الاقراض الصغير وتسجيل انفعالاتهم وتعليقاتهم.
• الاطلاع (ما أمكن) على المادة النظرية والتطبيقية المنشورة حول التجربة في بلدان من بيئات مختلفة، وكيف تطورت فكرة الاقراض الصغير وضرورة مراعاة الاختلاف والتنوع.
أفكار للنقاش الهادئ
فيما يلي بعض الملاحظات "بعين الدودة" لكن الموجهة هنا على قطاع الإقراض الصغير نفسه، وهي ملاحظات أرجو أن أقدمها للنقاش الهادئ:
• رغم مرور عقدين على بدء تقديم خدمة الاقراض الصغير في الأردن بصورته ومفاهيمه الحالية (أي بتجاوز تجربة مؤسسة الإقراض الزراعي وبنك الانماء الصناعي وصندوق التنمية والتشغيل مثلاً) الا أن تطوير نموذج وطني للاقراض الصغير لم يكتمل بعد، إذا اعتبرنا البعد التنموي أولوية. ويُفترض أن الخطوة الأولى في صياغة هذا النموذج تكمن في البحث عن خصوصية السوق/ والمجتمع الأردني.
• نظراً للأهمية الخاصة للعنصر الانساني في الخدمة المقدمة في قطاع الاقراض الصغير، ونظراً لوجود أهداف عامة تتجاوز هدف قيام مؤسسة ناجحة رابحة، فإن البحث في حالة هذا العنصر الانساني داخل وخارج الشركة يعد مهماً، فالموظف في شركة تعمل في الاقراض الصغير ليس مجرد مورد بشري للشركة، كما أن العميل ليس مجرد زبون.
• يلاحظ أن التوجه الحالي في مجمل الشركات هو نحو مقترض "مزنوق" مالياً، ولكن العملاء متنوعون من حيث "الزنقة":
- زوجة تقترض بطلب من زوجها، أي انه هو الذي يستلم القرض رغم أنه من الناحية الشكلية يسجل باسم مشروع.
- زوجة تقترض لمصلحتها الشخصية، وأحياناً تشترط عدم علم الزوج، وترحب الشركة بهذا الشرط لأنه يتحول إلى أداة ضغط في المستقبل!.
- عميل من أصحاب المهن يهدف إلى الحصول على سيولة سريعة لا يتمكن من الحصول عليها من البنوك لأسباب متعددة.
- عميل من أصحاب المهن يستفيد من القرض لغاية الحسابات الضريبية.
- العميل من أصحاب السيرة البنكية غير الجيدة الذي يتحمل الفائدة المرتفعة بسبب عدم اشتراط الضمانات كما هي حال العلاقة مع البنوك.
- بعض العملاء او العميلات خاصة تنقصهن المعلومات، ويعتقدن أن فائدة البنوك أعلى من فوائد شركات الإقراض، أو يعتقدن أن البنوك ليست لهن أو كانت لهن تجربة في الذهاب إلى البنوك وشعرن بالغربة... الخ.
- تتوفر بالطبع نسبة متفاوتة الحجم من العملاء من أصحاب المشاريع الحقيقية.
• وبالطبع لا يوجد مانع أخلاقي أو اقتصادي من الاعتراف بجدوى وفائدة حل مشكلة "العميل المزنوق" وهو النشاط الأبرز لمجمل قطاع الاقراض الصغير في الأردن وغيره، وأقترح الاعتراف الداخلي بأن مسألة وجود مشروع فعلي تحولت الى عنصر شكلي، وهو الأمر الذي تحول إلى جملة تتكرر على لسان العميل، وفي كثير من الأحيان تكون من خلال إرشاد الموظف نفسه: "لا أستطيع أن أمنحك القرض إلا بأن أسجل لك مشروعا".
• تختلف تجربة الاقراض الصغير في الأردن والمنطقة المحيطة جوهريا عن تلك التجربة التي تم تطويرها في دول آسيا (بنغلادش). وجزء من هذا الاختلاف منطقي بالنظر إلى الفروق الكبيرة بين مجتمعنا وتلك المجتمعات اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا (بعض الفروق لصالحنا وبعضها لصالحهم).
 لكن ما جرى عموماً هو تطوير ما صار يعرف بصناعة الاقراض الصغير، وتمت صياغة معادلة رياضية للتوصل إلى حجم الجمهور المستهدف.  ومع ذلك فإن التجربة الفعلية لا تفيد بأن الجمهور المستهدف تم فعلاً استهدافه.
• (فكرة للنقاش): في حالة كان المقترض ملبيا لكافة الشروط ولم يستنفد من الشركة المقرضة أي جهد إضافي فمن حقه (بالمعنى العام) أن يأخذ قرضه بالفائدة الدارجة في السوق، لأن رفع سعر الفائدة يعود أساسا الى ارتفاع عنصر المخاطرة والى التكلفة الادارية الاضافية من اتصالات وزيارات الى البيوت ومراجعات، فإذا انتفت هذه المخاطر والكلف فما هو الدافع الموضوعي لحرمانه من الاقتراض بفائدة أقل؟ لماذا لا نناقش فكرة جريئة لكنها قد تكون مفيدة، بأن تعيد الشركة له جزءا مما دفعه، أي ان تكافئه على القرض المسدد؟ إن مثل هذه الفكرة ستسهم في أن تكون الشركة المعنية الخيار المفضل للعميل المحترم الواثق من نفسه والملتزم. صحيح أن المردود على الحالة الفردية يكون أقل، لكن بالاجمال قد يكون الاقتراح مفيداً إذا وضعت له ضوابط.
• تصميم برامج تدريب مناسبة للموظفين تركز على ثقافة الفئة التي يتم التعامل معها. وليس فقط على جانب الادراة المالية للقرض أو على الحسابات.
 إن اغلب العناصر الزائرة نسائية أو من الرجال معهم نساؤهم لغايات الكفالة أو استلام المبلغ ومن الضروري مراعاة موقف الأسرة وكل من الزوج والزوجة والأطفال في بعض الحالات، وهي امور تحتاج لتدريب غير مالي.
• بهدف تطوير برامج اقراض جديدة، أقترح اختبار طريقة أخرى إضافية: فعوضاً عن ان تذهب الشركة الى المجتمع المعين بخدمات معدة سلفاً ثم تعمل على تسويقها وشرحها (وهي كما صار معلوماً عبارة عن خدمات وبرامج تتناقلها الشركات على المستوى الوطني والاقليمي، وهذا جيد لكن هناك امكانية للتطوير): هل يمكن تجريب طريق معاكس؟ بمعنى الذهاب أولاً الى المجتمع المستهدف بهدف التعرف على احتياجاته من التمويل الصغير، ثم تصميم الخدمة او البرنامج بما يتناسب مع هذه الاحتياجات مع مراعاة شروط وظروف الشركة بالطبع. يمكن مثلاً البدء بإجراء دراسة تفصيلية للتعرف على الاحتياجات التمويلية لأحد المجتمعات المحلية (قرية او حي او مخيم..)، ومن ثم دراسة امكانية تعميمها.
• توجد بعض المجتمعات المحلية لديها خبرة ذاتية غير رسمية في إدارة احتياجاتها من القروض، يمكن التعرف اليها وتفحص امكانية الاستفادة منها او الالتقاء معها في منتصف الطريق.

التعليق