بعيدا عن الانفعال

تم نشره في الأحد 8 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:04 صباحاً

الانفعال هو السمة الأبرز للكثير من الرسائل والتعليقات والمنشورات التي تبادلها الأردنيون على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الايام الماضية. الكثير من الاصدقاء تحولوا الى محققين ومحللين سياسيين ومرشدين وقضاة ودوائر للاخبار والمعارف، كل ذلك وسط شح في البيانات والاخبار وتنامي وتطور سريع للقصص والاخبار حول عدد من حوادث السرقة والعنف والقتل واستغلال الوظيفة العامة وغيرها من الحالات.
الغريب فيما يحدث هو تنامي حالة الإحباط الناجم عن اساليب المعالجة الرسمية للأحداث وتحول الغضب الى شعور بالنقمة والتعميم حول ما تمثله متجاهلين حقيقة أن هذه الأحداث لا تختصر صورة الأردن، ففي بلدنا عشرات الصور الجميلة التي تقلل من بشاعة الصورة التي ترسمها هذه الحالات. ومع ذلك فإن بامكاننا أن نضع هذه الحوادث في نصابها إذا ما إحسنا التعامل معها وسط احترام المسؤول لعقل المواطن.
السرقة والاعتداء على المال العام والاستخدام المفرط للقوة واستغلال الوظيفة العامة وغيرها من القضايا التي تتصدر اهتمام الرأي العام في بلادنا هذه الايام حوادث تحصل في مختلف بلدان العالم. الاختلاف الحقيقي بين بلد وآخر هو في كيفية حصولها وطبيعة المشاركين ونظرة المجتمع وموقف البنى الاجتماعية (التقليدية والحداثية) من القضية، وأخيرا أسلوب المعالجة الرسمي وسرعة وسلاسة إجراءات المقاضاة وتعامل الإعلام من حيث التستر أو الكشف وآثار كل ذلك على الثقة بالدولة وأجهزتها ومؤسساتها.
في كوريا الجنوبية انشغل الرأي العام وعلى مدار عدة اشهر بقضية استغلال رئيسة البلاد لوظيفتها لمنفعة أشخاص يخصونها وعلى غير وجه حق فتابع الإعلام تفاصيل القضية التي انتهت باستقالة صاحبة أعلى منصب في دولة يحتل اقتصادها المرتبة الثامنة في العالم. في كوريا كان الإعلام والرأي العام شهادة على قوة المجتمع وعمق الحس بالانتماء والمساحة المتاحة للناس للتعبير عن الحب والانتماء للوطن وحمايته من الممارسات التي قد تسهم في تقويض الأخلاق والقيم التي تؤمن بها الدولة والمستمدة من تراث وأخلاق وثقافة الشعب الكوري.
 اسرائيل التي تقدم نفسها للعالم بأنها المجتمع الديمقراطي الوحيد في الشرق الاوسط لا تتردد في كشف وملاحقة قضايا الفساد ويلعب الإعلام دورا مهما في رصد ومتابعة ونقل كافة الإجراءات والنتائج دون الخوف من أن يؤثر ذلك على سمعتها ومعنويات الشعب الاسرائيلي وقدرة ساستها على إدارة شؤون البلاد. الرئيس إيهود اولمرت جرت محاكمته وسجنه بتهم الفساد ونتنياهو وعائلته يخضعون للتحقيق دون خوف أو خجل من تلطيخ السمعة أو اغتيال الشخصية أو غيرها من الأسباب التي تجعلنا نتردد في مكاشفة الجمهور حول ما يثار من شبهات هنا وهناك.
 متابعة الإعلام اليومي لتطور التحقيق في القضايا والجرائم والمخالفات التي تهز الرأي العام ضرورة لإدامة الثقة بالأجهزة ووأد الإشاعات وتعزيز إيمان الناس بعدالة المجتمع ونزاهة المسؤولين. اللجوء لبديل منع النشر في القضايا التي تهم الرأي العام لا يعني بالضرورة توقف الناس عن تناول هذه القضايا واختلاق قصص وروايات قد تشوه الوقائع وتذهب بالخيال الشعبي بعيدا عن مجريات الامور، ما قد يوقع الأذى ببعض الأبرياء وينال من سمعة آخرين بغير وجه حق.
 في الولايات المتحدة والعالم الغربي تتصدر أخبار الجرائم  وتفاصيل ارتكابها والتحقيق بها موضوعات وقصص نشرات الأخبار في المحطات التلفزيونية المحلية. في كل مرة تعرض فيها الجرائم وأخبارها يتعرف الناس على مجتمعهم ونوعية الخارجين على القانون والظروف التي أدت الى انحرافهم إضافة الى تقدير الجهود التي تقوم بها الأجهزة وحتى الأشخاص العاملين في التحقيق وكشف الغموض وإلقاء القبض والملاحقة كما يتعرف السكان على مَواطن القوة ونقاط الضعف في النظام القضائي.
 في تغييب الإعلام عن الجرائم وتفاصيلها تجاهل للرأي العام، فهو يحرم المواطن من الإسهام في حماية المجتمع والحفاظ على أمنه، ويحد من إمكانية الإفادة من مشاركة السكان في أعمال المراقبة والتعاون والتبليغ عن المخالفات والجرائم التي قد تقع في محيطهم، كما أنه يفتح الأبواب للتخمين والتشكيك في الإجراءات التي تتبعها المؤسسات ويقلل من فاعلية الردع لمن تسوّل له نفسه وتحد من أثر الإعلام.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ربما السلبيات ممنهجة؟! (طايل الحجي ذيابات)

    الأحد 8 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
    لقد أسمعت لو ناديت حيا، ولكن لا حياة ـ ولا حياء ـ لمن تنادي معالي الدكتور الفاضل.