"ميرزام".. رحلة عبر طريق التوابل لصناعة الشوكولاتة الحرفية

تم نشره في الثلاثاء 10 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً
  • باميلا كسرواني- متخصصة في الثقافة والمواضيع الاجتماعية

حالما تدفع الباب الزجاجي العملاق في قلب السيركال أفنيو بدبي، تعبِق بك رائحة حبوب الكاكاو وتعرف أنك وصلت إلى المكان الصحيح. فأهلاً وسهلاً بك في "ميرزام" حيث يجتمع في مكان واحد المصنع والمتجر والمقهى لكل محبّي الشوكولاتة. نحن لا نتحدث عن تلك الأنواع التي اعتدنا أن نشتريها من المتاجر والسوبرماركت بل عن الشوكولاتة الحرفية التي تتطلّب الكثير من العناية والدقة لصناعتها والتي يختلف كلّ لوح منها عن الآخر وكأنك في كل مرة تتذوّق وتتعرّف على نوع جديد.
ولا تستطيع أن تصنع شوكولاتة حرفية إن لم تكن مدفوعاً بشغف الشوكولاتة ومولعاً بها؛ أمرٌ واضح على فلورانس، صانع الشوكولاتة الذي يُحدثناً فرحاً: "كل مراحل الصناعة مفضّلة لدي لأنك لا تستطيع أن تصنع الشوكولاتة من دون فرز حبوب الكاكاو أو تحميصها إلا أن الأصعب قد يكون تعزيز النكهة والملمس وضبط الحرارة والضغط الصحيحة. أشعر بأن حبوب الكاكاو أطفالي ويجب أن أهتمّ بكل منها بعناية ومن دون تمييز".
هذه الحماسية ليست حكراً على فلورانس لا بل يتشاركه كل من يعمل في "ميرزام" حيث تشعر وكأن الجميع وقع تحت سحر الشوكولاتة الذي يتمكّن كل زائر من تذوّق مختلف أنواعها في المتجر؛ أنواع مختلفة قد تقع بغرام بعضها أو تشعر بحيرة حيال أي منها تصحبها معك إلى المنزل.
وقبل أن تصل ألواح الشوكولاتة إلى الزبائن، تحرص مديرة العمليات كاثي جونستون، على متابعة حسن سير مراحل الإنتاج، من انتقاء حبوب الكاكاو ومصدرها وصولاً إلى غلاف الألواح. وتضحك عندما نسألها "ألا تخافين من زيادة الوزن مع كل هذه الكميات من الشوكولاتة؟" وتجيبنا "ما نصنعه طبيعي جداً، حبوب الكاكاو، سكر قصب غير مكرر وتوابل عادة ما نستعملها في الطهو. وبالتالي، من الناحية الصحية، ألواحنا صحية جداً إضافة إلى أنك لا تحتاج إلى كميات كبيرة لتشعر بالاكتفاء".
جونستون كانت تستعدّ لبدء حياتها خارج دبي عندما التقت أصحاب ما سيُصبح لاحقاً "ميرزام" وقررّت البقاء لتحقيق شغف حياتها ألا وهو إطلاق مصنع للشوكولاتة. وتخبرنا أن الأخوين الإماراتيين (شاب وصبية) يفضّلان البقاء بعيداً عن الأضواء وهي من تتولى كل العمليات. وتقول "لا نريد أن تكون الأعمال قائمة على أساس شخصية أو قصة رائدَي أعمال لا بل هي قصة حول الشوكولاتة، واستدامتها، ومصدرها…".
وهكذا، بعد سنوات من الأبحاث والتحضيرات لاختيار مصدر حبوب الكاكاو وشراء المعدات المناسبة للحرفية اليدوية، فتح "ميرزام" أبوابه في سبتمبر 2016. وتخبرنا جونستون أنهم مرّوا بالكثير من التجارب والأخطاء إلا أن علاقتهم الجيدة بصناع الشوكولاتة الحرفيين في العالم ساعدتهم كثيراً من أجل تحسين توقعات الزبائن وأوضاع المزارعين والحصول على  النصح والإرشاد متى تطلبت الحاجة؛ فدعونا لا ننسى أن "ميرزام" هي أول تجربة إماراتية لصناعة الشوكولاتة الحرفية.
ولا يأتي اختيار "ميرزام" صدفة لا بل هو اسم نجمة كانت تُرشد التجار العرب في الإبحار من الشرق إلى أوروبا وهي أيضاً مصدر وحي لاختيار مصدر حبوب الكاكاو من دول تقع على طريق التوابل مثل فيتنام، مدغشقر، وبابوا غينيا الجديدة، والهند، وإندونيسيا. وتشكّل هذه الدول مصدر ألواح الشوكولاتة المتوفرة دوماً في متاجر "ميرزام" أو عند شركائهم في حين أن نوعاً آخر من الحبوب يُستخدم لصناعة المجموعات التي تختلف وتتطوّر من موسم إلى آخر.
وهنا تخبرنا جونستون "نحن نخطط قدماً ونَقوم بالكثير من الأبحاث حول ما تمّ تداوله تاريخياً لاسيما أن تجارة التوابل كانت شائعة كبير في بعض الطرق وألهمت الكثير من الوصفات. فعلى سبيل المثال، شاي "إيرل غراي" كان وليد الشاي المستورد من الهند إلى إنجلترا وأضيفت عليه توابل البرجمان الإنجليزية. وهذا تماماً ما نفعله في مختلف مجموعاتنا". وتضيف جونستون: "بعد تجربة نحو 25 وصفة، أقوم باختيار خمسة منها لتُشكّل كل مجموعة نقدمها للزبائن مثل مجموعة "مونسون" ومجموعة المغرب الشتائية"؛ وصفات تدمج بين القرفة والشمرة واليانسون النجمي أو حتى التمر والمكسرات وغيرها من المنتجات التي تضفي طعماً مميزاً على ألواح "ميرزام".
ومتى تختار جونستون الوصفة المثالية، يبدأ العمل على إعدادها. وهنا تحملنا في رحلة، يستطيع كل من يزور "ميرزام" القيام بها، عبر مختلف مراحل الإنتاج. وتخبرنا أن البداية تكون مع فرز حبوب الكاكاو والتخلص من كل ما لا يفي بالغرض ثم تبدأ عملية التحميص التي تخرج معظم النكهات من الحبوب. ومتى تنتهي هذه العملية، تقوم آلة التذرية بفصل القشر الخارجي للحصول على حبيبات الكاكاو. في هذه المرحلة، نكون حصلنا على شوكولاتة صافية %100 بعدها، وبفضل حجرتين دائريتين من الجرانيت، يتمّ طحن الحبوب ببطء لمدة أسبوع تقريباً قبل أن توضع زبدة الكاكاو للراحة لمدة أربعة أسابيع؛ المرحلة الأخيرة قبل سكبها في القوالب وإضفاء اللمسات الأخيرة قبل التغليف. باختصار، كل لوح شوكولاتة يستغرق تحضيره ستة أسابيع قبل أن تتمكّن من تذوقّه. ويُزين كل غلاف برسوم لمجرات وخرائط مختلفة مستوحاة من قصص وأساطير التجار القدامى في حين تُنقش رسومات الأمواج البحرية على كل لوحة شوكولاتة.
يعمل فريق من عشرة أشخاص في "ميرزام"؛ جهودهم المتواصلة ساهمت في أن يتحوّلوا إلى صانعي شوكولاتة من الطراز الأول باعتراف دولي مع حصول عدد من ألواح "ميرزام" على جوائز عالمية. وترى جونستون أن هذا النجاح يعود إلى "أننا لم نكن ننام وعملنا ساعات طويلة وحتى في عطلات نهاية الأسبوع". وتضيف "ما زلنا في المراحل الأولى إلا أن نجاحنا يعود إلى أننا نتميّز بفضل الاعتماد على طريق التوابل كجوهر علامتنا التجارية وربط وصفاتنا بالمنطقة".
كما لا بد ألا ننسى أن الحرفية هي أكثر ما يميّز "ميرزام". وتخبرنا جونستون أن الفرق الأهم بين الشوكولاتة المصنوعة حرفياً أو صناعياً هي التركيز على النوعية الطبيعية للحبوب. وهنا وتشرح لنا قائلة "الحبوب من كل مزرعة مختلفة ونحن لا نحاول إزالة هذا الاختلاف. الأمر مختلف عندما تختار نوعاً من الشوكولاتة المنتج صناعياً حيث أن المذاق سيكون نفسه في أي يوم وفي أي مكان من العالم. ولتحقيق ذلك، يجب إضافة المواد الكيميائية. نحن لا نفعل ذلك، نريد أن تكون كل لوحة مختلفة عن الأخرى مثل التفاح الذي يتغيّر طعمه بحسب البلد والنوع، سواء كان "بينك لايدي" أو "غراني" أو غيره.
تحقيق هذا الاختلاف اللذيذ يتطلب التصدي للعديد من التحديات مثل إيجاد المزارعين الذين يهتمون بزراعة حبوب الكاكاو العالية الجودة ويتقنون عمليات تخميرها بغض النظر عن الإمكانيات القليلة التي تكون بحوزتهم أو حتى إيجاد فريق عمل مستعد للتعلم لأن المطلوب ليس متابعة وصفة محددة لا بل فهم مختلف تغييرات حبوب الكاكاو للتأقلم والتصرف بالطريقة الأنسب. إلا أن الأكيد أن مشروع "ميرزام" نجح، حتى اليوم، بتخطّي هذه التحديات لتقديم شوكولاتة تنقلك من نكهة إلى أخرى وتحاكي كل حواسك. ولعلّ ذلك ممكن لأنه، كما تقول جونستون، "لا أصنع الشوكولاتة من أجل الفوز بجائزة ولكنني أواصل الاختبار والتذوق إلى أن أصل إلى شوكولاتة  فعلاً مدهشة!".

التعليق