د.أحمد جميل عزم

المصالحة الفلسطينية و"تهاوي قيمة الخدمة"

تم نشره في الثلاثاء 10 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:06 مـساءً

يصعب على مختص في علم المفاوضات أن لا يشعر بالإغراء لتطبيق وتذكر القواعد النظرية والعلمية على ما حدث في الأسابيع الأخيرة، في موضوع المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس" الفلسطينيتين. ولكن ربما يجدر التوقف عند سؤال محدد، يشغل بال المراقبين الآن، وهو متى يجب أن يقرر الطرفان تغيير الأمر الواقع فعليّاً في غزة؟ وتحديداً تولي الحكومة الفلسطينية، ومقر رئاستها في رام الله، كل المهام في غزة؟. وهل سيتم حسم موضوع السلاح حاليّاً؟ 
ما يغري بالدراسة والتأمل في مفاوضات المصالحة الراهنة، ما يحدث في العادة من مسائل، منها كيف يؤدي رفع السقف والتأزيم للحلحلة، فتشكيل اللجنة الإدارية من قبل حركة "حماس" كان تأزيما، وكان التعامل بين "حماس" والقيادي السابق في "فتح" محمد دحلان تأزيما، ورد الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس على ما حدث من إجراءات تقلص ما تقدمه الحكومة في القطاع، بعد عشر سنوات من حالة تقديم ميزانيات ومخصصات رغم عدم السيطرة الأمنية والميدانية، كان نوعا من التأزيم، وكل هذا يشكل تصعيدا أدى لتهدئة، لأنّه بات من الصعب الاستمرار في الصدام.
وهناك في الأفق ما يسمى في علم المفاوضات، باسم (باتنا- BATNA)،  أي أفضل بديل لاتفاق تفاوضي، أو الخطة ب، التي يعتقد أنّ مصر و"حماس" تلوحان بها، باستخدام ورقة دحلان، في وجه "فتح" والرئاسة الفلسطينية، مقابل خيارات العودة للإجراءات الانسحابية من غزة، من قبل الرئيس الفلسطيني.
وهذه مجرد أمثلة قد يجد دارس المفاوضات أهمية أن يستحضرها لفهم ما يحصل، ولكن هناك قضية "تهاوي قيمة الخدمة المقدمة"، كمبدأ أساسي في عالم المفاوضات، يجري التحذير منه عادة، وهذا المبدأ يقول إنّ أي شخص أو جهة تريد خدمة ما تصبح أقل استعدادا لدفع الثمن بعد أن تحصل على ما تريد، وتصبح أكثر تشدداً في المفاوضات. ومثال على ذلك شخص لديه سيارة خربة في الطريق، ليلاً، يكون مستعد نفسياً لتقديم مقابل أكبر لمن يصلحها، ولكن إذا جرى الإصلاح فعلاً يصبح شعوره بالقلق أقل، وبالتالي استعداده لتقديم المقابل أقل.
وبغض النظر أنّ الأمر في الحالة الفلسطينية ليس أمراً مادياً أو بسيطاً بهذا الشكل، وأنّ هناك شعبا يعاني بسبب الانقسام، فإنّ خبراء التفاوض سيفهمون تماماً لماذا رفض الرئيس الفلسطيني والحكومة بدء التغيير المادي على الأرض فوراً، بل قد يرحبون ببعض التأخير، لأنّه يساعد في نجاح المفاوضات لاحقاً. فقيام الحكومة بالتراجع عن الإجراءات التي قامت بها مؤخراً كان يعني تقديم "الخدمة" المطلوبة لحركة "حماس" قبل التمكين على الأرض، ما قد يؤدي لبروز عثرات وتصلب في المفاوضات لاحقاً تُفشِل كل شيء.
الآن في القاهرة هناك سؤال هل يجري التفاوض مرحليّاً، أم يكون التنفيذ هو المرحلي؟. أي هل يجب أن يتفق الطرفان على كل شيء بما في ذلك مصير سلاح المقاومة والأمن؟
كان القائد الفلسطيني الراحل هاني الحسن (1939 - 2012)، يواظب على انتقاد اتفاقيات أوسلو، لأنّها جعلت التفاوض على مراحل، بينما برأيه أنّه يجب التوصل لاتفاق نهائي مع الإسرائيليين منذ البداية، مع إمكانية جعل التنفيذ على مراحل. وبكلمات أخرى، مشتقة من علم المفاوضات، فقد قدّم الفلسطينيون الخدمة التي يريدها الإسرائيليون، (وقف الانتفاضة والمقاومة المسلحة)، مقابل حل مرحلي أولي، ما أضعف أوراقهم التفاوضية كثيراً، وتهاوت قيمة الخدمة التي قدموها بمجرد تقديمها. فهل يجب الآن إدراك صعوبة الوضع الحياتي في غزة وتقديم المطلوب، وسط خشية بتعطل لاحق يدمر كل شيء، كما حدث في أوسلو؟
في الواقع أنّ هناك آلية مقترحة تخرج من هذه المشكلة، أولها اتفاق نهائي على المرحلة العاجلة لعودة الحكومة وتوفير متطلبات نجاحها وسيطرتها، واتفاق مبادئ بشأن التصور النهائي. وبالتالي تولي الحكومة مهماتها ثم القيام بواجباتها في الملفات العاجلة مثل الصحة والكهرباء والماء والمجاري، مع صلاحيات كاملة بما في ذلك تولي كامل الشؤون الإدارية والمالية والضريبية وكل ما يخص ذلك بشأن الحدود والمعابر، مع خريطة طريق ومبادئ بشأن ترتيب الوضع الأمني والسلاح والتمثيل السياسي والانتخابات وسوى ذلك، مع ضامن مصري وعربي.  

التعليق