ذكريات تأليف كتب التربية الوطنية لطلبة فلسطين

تم نشره في الثلاثاء 10 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

د. جودت أحمد المساعيد

من بين المهام الرئيسة للأستاذ الجامعي الناجح، القيام بالتدريس الفعّال في برامج الدراسات الدنيا والدراسات العليا، والعمل على نشر البحوث الرصينة في الدوريات العلمية المرموقة، وتقديم الخدمات الكافية إلى المجتمع المحلي في جوانب تخصصه العام والدقيق. ومع ذلك، فقد يُطلبُ منه القيام بمهام إضافية جديدة كالأعمال الإدارية الأكاديمية، أو تقديم الاستشارات الفنية، أو كتابة المؤلفات العلمية الجامعية المتخصصة، أو تأليف الكتب المدرسية المقررة على طلبة المراحل التعليمية المختلفة. وهذا ما حصل معي في المهام جميعاً.
فعندما اختارني رئيس اتحاد الجامعات العربية بالعاصمة الأردنية عَمان، خبيراً تربوياً لتطوير كلية العلوم التربوية في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس الفلسطينية خلال العام الجامعي 2000/1999، اتجهتُ الى تلك الجامعة ملتحقاً بالكلية نفسها لبرهة من الوقت، ثم عُينتُ بعدها عميداً لتلك الكلية، وممثلاً لها في مركز المناهج المدرسية الفلسطيني بمدينة رام الله المعروفة، وذلك نظراً لتخصصي الدقيق في مناهج وطرق تدريس الدراسات الاجتماعية من جهة، وكوني عميداً لكلية التربية من جهةٍ ثانية. كما تمَ أيضاً اختياري رئيساً للجنة تأليف الكتب المدرسية الخاصة بموضوعات التربية الوطنية، والتاريخ، والجغرافيا.
وتحرص الأمم والشعوب في العادة على تحصين أبنائها بالمعلومات والحقائق الصحيحة عن أوطانهم من الناحيتين التاريخية والجغرافية، حتى يربطوا بينها من جهة، وبين وجودهم وآبائهم وأجدادهم على هذه الأرض وثباتهم واستمرارهم عليها كشعبٍ عريق من جهةٍ ثانية.  ويتفق الناس في مختلف أرجاء العالم، على المكانة الخاصة لفلسطين وتاريخها الفريد، ما يجعل ذلك يمثل في الواقع فرصة ملائمة لتوعية الطلبة بوطنهم الذي يُنظَرُ إليه باحترامٍ كبيرٍ وقدسيةٍ عظيمةٍ وروحانيةٍ عالية، كونهُ مهد الديانات السماوية، ومكاناً لجذب الكثير من الحضارات العريقة التي نشأت عليه، وتركت آثارها الماثلة للعيان على أرضهِ الطيبة.
كل ذلك يزيد من حجم المسؤولية التربوية الملقاة على عاتقنا كمؤلفين للكتب المدرسية المقررة، فقد بدأنا في مركز المناهج الفلسطيني بتأليف كتب التربية الوطنية أولاً،  وذلك نظراً  لقصة غريبة وخطيرة جداً حدثتْ معنا، وملخصها أن تقريراً مطولاً قد وصل من الكونجرس الأميركي الذي كان يدعم مركز المناهج الفلسطيني مادياً، يحدد فيه شروط التأليف في الكتب المدرسية عموماً، وكتب التربية الوطنية والتاريخ والجغرافيا والتربية الإسلامية واللغة العربية على وجه الخصوص.
ومن أهم ما ورد في ذلك التقرير الخطير، ضرورة عدم التطرق إلى المناطق والمدن الفلسطينية السليبة منذ عام 1948، مثل حيفا ويافا وعكا والناصرة وبئر السبع وصفد واللد والرملة وغيرها، على أنها جزء من دولة فلسطين، لأنها حسب زعمهم تمثل الجزء الأساس من دولة الكيان الصهيوني الغاصب. كذلك ينبغي عدم طرح الآيات الكريمة أو الأحاديث النبوية الشريفة التي تحض على الجهاد ضد المحتل، أو التي تدعو إلى استرجاع المغتصب من الأرض والوطن والشعب، وعدم طرح قصص البطولات والفداء في المعارك والحروب، أوالربط بين الفتوحات الإسلامية وبين التفكير في استرجاع الوطن والمقدسات، لأن ذلك يتنافى مع اتفاقيات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين حسب زعمهم، وضرورة التركيز على مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وعدم ربط ذلك بفلسطين ككل، أو التركيز على وحدة فلسطين من البحر إلى النهر.
كذلك قام الكونجرس الأميركي في تقريرهِ المرسل لمركز المناهج الفلسطيني، بإرفاق صفحات كثيرة من مناهج فلسطينية سابقة، فيها آيات قرآنية كريمة، وأحاديث نبوية شريفة، وقصص بطولات عظيمة، وحِكَم  وأقوال مأثورة، جميعها تحض على الجهاد والبطولة والفداء، وقد تمَ وضعها جميعاً في دوائر باللون الأحمر، على أساس أنها خطيرة التوجه، ويجب عدم  تكرارها  في المناهج المدرسية الجديدة، وأن لا يتم طرح أمثالها أيضاً في هذه المناهج، مما جعلنا نناقش هذه المسألة الخطيرة جداً، في كل لجان المناهج للمواد العلمية والأدبية على حد سواء، وبالذات في مواد التربية الوطنية والتاريخ والجغرافيا والتربية الإسلامية واللغة العربية.
وبعد مناقشة هذا الأمر الخطير مطولاً في لجان التأليف كافةً، استقر الرأي بالإجماع على عدم الرضوخ لهذه المطالب الأميركية جُملةً وتفصيلاً، لأن مثل ذلك سوف يفرغ المناهج المدرسية الجديدة من الثوابت والمرتكزات الدينية والوطنية والأخلاقية، مما يؤدي بالتالي إلى تنشئة جيلٍ بالمقاييس الأميركية والصهيونية وليس بالهوية العربية والإسلامية، ويعمل بالتالي على ضياع القضية العادلة بين أبنائها إلى الأبد لا قدر الله. وقد دفعنا كل ذلك إلى الإسراع أولاً بتأليف الكتب المدرسية المستهدفة من وراء هذه الشروط، وعلى رأسها التربية الوطنية والتاريخ والجغرافيا والتربية الإسلامية واللغة العربية، مع الإلتزام بالثوابت الدينية والوطنية والتاريخية عند تأليفها، بصرف النظر عن الشروط  أو المطالب الأجنبية. كذلك تمّ الاتفاق على  مطالبة الزملاء المؤلفين الفلسطينيين الموجودين في مركز المناهج، ممن يتقنون اللغة العبرية، أن يقوموا بفحص بعض المناهج الإسرائيلية، وتحديد المعلومات العنصرية والأكاذيب الباطلة التي تسيطر عليها، وتبث الكراهية والحقد ضد العرب عامةً وضد الشعب الفلسطيني على وجه الخصوص، ثم كتابة تقرير مفصل عنها إلى الكونجرس الأميركي، رداً على شروطهم ومطالبهم المجحفة.
وقد تمَ بالفعل تأليف كتب التربية الوطنية بناء على ما تمّ الاتفاقُ عليه بين لجان التأليف، ضمن الثوابت الدينية والوطنية التي لا يمكن تجاهلها، ولا سيما بعد كتابة تقرير عن التجاوزات الكبيرة للمناهج الصهيونية. فمثلاً، بعد أن قدمنا للطفل في الصف الأول الأساسي موضوعات مبسطة جداً عن الأسرة والبيت، وعن الطفل والمدرسة، وعن الحي أوالبلدة أو المدينة التي يعيش فيها، تمَ التركيز على وطنهِ فلسطين، مع توضيح خريطتهِ الكاملة من النهر إلى البحر، وعرض علم بلاده بألوانهِ الزاهية المعروفة، ثم النشيد الوطني الذي يدعو إلى التشبث بأرض الآباء والأجداد.
وعند الانتقال إلى كتاب التربية الوطنية للصف الثاني الأساسي، تمّ التعرض إلى موضوعاتٍ عديدة من أهمها: الغوص في أعماق التاريخ  لإثبات أن فلسطين عربية الأصل والجذور منذ أن عاش فيها الكنعانيون العرب . لذا، تمَ التركيز فيه على الشعب الكنعاني، وآثارهم، وأنشطتهم، والمدن التي بنوها، وأن فلسطين تبقى دوماً أرض الأنبياء إبراهيم وعيسى عليهما السلام، ومسرى سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين أجمعين، ومعراجه إلى السماوات العُلا، وبلد الفاتحين لها عسكرياً على يد القائد الفذ عمرو بن العاص، والفاتحين لها سلمياً على يد الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إضافةً إلى تحريرها من أيدي الفرنجة على يد القائد المظفر صلاح الدين الأيوبي، هذا ناهيك عمن قام فيها بالبناء والتجديد من جانب الخليفة الأموي عبدالملك بن مروان الذي بنى المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وما أضافهُ السلطان العثماني سليمان القانوني الذي بنى سور القدس الكبير، ثم الانتقال إلى كون الشعب الفلسطيني يمثلُ جزءاً  مُهماً من الأمتين العربية والإسلامية.
وفي كتابٍ آخر للتربية الوطنية، تم أخذ البُعد الجغرافي في الحسبان، كما هو الحال في الجزء الأول من الكتاب المقرر على تلاميذ الصف الرابع الأساسي، حيث تمّ توضيح موقع فلسطين بالنسبة للعالم، وبالنسبة للوطن العربي، ثم الحديث بعد ذلك عن تضاريسها ومناخها ومياهها وتربتها وسكانها. ونظراً لمكانة مدينة القدس بالذات، فقد تمّ التركيز على أهميتها التاريخية والدينية والسياحية، بالنسبة لشعوب الكرة الأرضية بأسرها. أما الجزء الثاني من الكتاب، فقد تناول الأنشطة الزراعية والصناعية والتجارية والسياحية وطرق المواصلات، إضافةً إلى إبراز دور التراث المحلي والعادات والتقاليد والقيم.
 وأقول باختصارٍ شديدٍ، بأن هذه الكتب قد أكدت على الجهد الكبير الذي تمّ بذله  فيها، ولا سيما بتركيزها على القيم التاريخية والجغرافية والأخلاقية والحياتية، في نفوس التلاميذ عندما يتعلمونها، وذلك بالتركيز على عروبة هذا الوطن السليب، وتذكيرهم دوماً بأن الوقت مهما طال أو قَصُرَ، فسيُكتبُ لشعب فلسطين التحرر من قيد العبودية والاحتلال، في زمنٍ بقي هو الوطن الوحيد في عالم اليوم الذي لم يذق طعم الاستقلال، وهو ما يمثل ليس حالة شاذة فقط في القرن الحادي والعشرين، بل وأيضاً لأنه يعبر عن عدم انسجام هذا الوضع، لكل الأعراف والشرائع والقوانين السماوية والوضعية على حدٍ سواء.

التعليق