5 خطوات لتحقيق السلام في ميانمار

تم نشره في الثلاثاء 10 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • لاجئات من طائفة الروهينجا البورمية هاربات من العنف في قارب - (أرشيفية)

راميش ثاكور*

كانبيرا- أضرت الأزمة الإنسانية التي حلت بمسلمي الروهينجا في ميانمار بالاستقرار السياسي للدولة، وحطمت صورتها كبلد يتحرك نحو الديمقراطية. كما لطخت سمعة زعيمة الحكومة (بحكم الأمر الواقع) أونج سان سو تشي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام، وشككت في مؤهلات وكفاءات إدارة الأزمة لدى كل من رابطة دول جنوب شرق آسيا (الآسيان) والأمم المتحدة، وأثارت السخرية من المؤسسات الدولية المعنية بمنع النزاعات.
ولكن، على الرغم من كل هذه الظروف التي تنذر بالأسوأ، ما يزال الحل ممكناً، وإن كان تحقيقه يستوجب الإسراع في اتخاذ خمس خطوات بدون تأجيل.
أولاً وقبل كل شيء، يجب وقف عمليات القتل والأعمال الوحشية، وهو أمر صعب بقدر ما هو ضروري. فقد تورط جيش ميانمار في حملة متواصلة من التطهير العرقي هدفها الرئيس طرد الروهينجا من البلاد. ورغم استحالة إصلاح ما وقع من أضرار، فإنه يمكن، بل وينبغي، وقف سفك دماء جديدة أو أعمال طرد أخرى موجهة.
لكي يحدث ذلك، يجب كبح المتطرفين الروهنجيين. فعلى عكس الرواية السائدة في الغرب، جرى استفزاز جيش ميانمار بعد أن شن المتمردون سلسلة من الهجمات على مواقع للشرطة والجيش في آب (أغسطس) الماضي. واستغل جيش إنقاذ الروهينجا في أراكان (أرسا) تاريخاً من الصدامات المسلحة بين البوذيين والمسلمين في ولاية راخين ليتولى قيادة حملة متزايدة العنف.
تكمن المشكلة بالطبع في الاستخدام غير المتكافئ للقوة من جانب الجيش، الذي رد على ضربات جيش إنقاذ الروهينجا بإطلاق حملة شعواء لحرق الأخضر واليابس أسفرت عن مقتل ما يصل إلى ثلاثة آلاف شخص. كما أحرق الجنود قرى بأكملها للروهينجا، وتورطوا في اعتداءات جنسية، ودمروا المساجد، وتسببوا في نزوح جماعي. ويصف المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين ما يجري في ميانمار بأنه "نموذج كلاسيكي للتطهير العرقي"، بينما وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الأزمة بـ"الكارثية".
في الوقت ذاته، أخفقت سو تشي في ممارسة أي سلطة معنوية، بل بدت وكأنها تبرر وتدافع عما يجري عندما أصرت على أن "جبل ثلج ضخما من المعلومات المضللة يروج لمصلحة الإرهابيين". وهي بالطبع محصورة بين جيش مستقل يحتفظ بالسيطرة الكاملة على الخدمات الأمنية في البلاد، وسكان غالبيتهم من البوذيين تتملكهم مشاعر متجذرة من التعصب والتحيز ضد المسلمين. إلا أن ورطة كهذه لا تبرر فشلها في إدانة ما يحدث أمام ناظريها.
لكن لا شك أن حكومة سو تشي تشعر بالاستياء من البيانات المثالية، غير الحيادية في الوقت نفسه، التي يصدرها غالبا زعماء غربيون وممثلون للأمم المتحدة، ومبعث ذلك الاستياء احتفاظ متطرفي الروهينجا بصلات راسخة مع جهاديين من الخارج، من بينهم جهاديون في تنظيم "داعش". ومما يعقد موقف الجيش ما ذكرته مجموعة الأزمة الدولية من أن جيش إنقاذ الروهينجا يأتمر بأمر متمردين يقيمون في الخليج العربي، والذين يتمتعون بخبرات واسعة في حرب العصابات. وقليلون في الغرب يدركون التحديات التي يواجهها صناع القرار في الدول النامية التي تحارب التطرف من جانب المتمردين والإرهابيين.
هذه التحديات على وجه التحديد هي التي صعّبت على ميانمار كسر دائرة العنف، حتى أن بنغلاديش والهند رفضتا إعادة توطين لاجئي الروهينجا بصورة دائمة لخشيتهما في المقام الأول من أن يكون بين هؤلاء اللاجئين جهاديون. ورصدت وكالات الاستخبارات الهندية صلات بين جيش إنقاذ الروهينجا وجماعة عسكر طيبة الجهادية الباكستانية. وبالمثل، دعمت حكومة الصين جهود ميانمار لحماية أمنها القومي، كما تستثمر الصين 7.3 مليارات دولار في مشروع ميناء جديد في راخين كجزء من مبادرة الحزام والطريق، مما قد يدفع الصين إلى اعتراض أي محاولة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لإدانة ميانمار على أفعالها.
هذه الشبكة المتداخلة والمعقدة من المصالح، مع فشل الحكومة أيضاً، تعني أن مسؤولية حماية كل شعب ميانمار تقع على عاتق رابطة الآسيان أو الأمم المتحدة.
بمجرد أن تتوقف الأعمال العدائية، ستكون الخطوة الثانية نحو ضمان سلام طويل الأجل إعادة اللاجئين إلى أوطانهم، الأمر الذي قد يكون بمثابة كابوس لوجيستي. فوفقا لتقديرات الأمم المتحدة، عبر نحو 700 ألف من لاجئي الروهينجا إلى بنجلاديش في نهاية أيلول (سبتمبر)، مع وصول أكثر من نصفهم منذ أواخر آب (أغسطس). وقد قام جيش ميانمار بزرع الألغام على الحدود مع بنغلاديش لمنع اللاجئين من العودة.
بناء على افتراض إمكانية معالجة قضيتي العنف واللاجئين، يجب على ميانمار السماح بوصول المساعدات الإنسانية الدولية إلى المناطق المتضررة. وتعد رابطة الآسيان، التي أظهرت قدراتها وإمكانياتها في أعقاب إعصار نارجيس في العام 2008، في وضع جيد للمبادرة إلى تشكيل استجابة إقليمية، كما يمكنها أيضاً التنسيق مع الأمم المتحدة بشأن إدارة أطقم الطوارئ.
أما الخطوة الرابعة فهي محاكمة كل من ساعد على وقوع الأعمال الوحشية، ويجب على حكومة ميانمار أن تتولى هذا الأمر -أو أن تسمح لرابطة الآسيان أو الأمم المتحدة بالقيام بذلك نيابة عنها- من خلال فتح تحقيق مستقل وعادل في عمليات القتل وتحديد مرتكبيها وتقديمهم لمحاكمة تتسم بالشفافية والمصداقية. وإذا لم يمكن تنفيذ ذلك من خلال السلطات المحلية، تجب إحالة الأمر إلى المحكمة الجنائية الدولية.
أخيراً، يجب على الحكومة التي تقودها سو تسي إلغاء أو تعديل كل القوانين التمييزية وإنهاء تمييز الدولة الرسمي ضد الروهينجا، التي تعد من أكبر المجموعات العرقية المشردة في العالم؛ حيث يبلغ عدد أعضائها 1.1 مليون شخص. وقد جاء معظمهم إلى ميانمار كجزء من توسع الإمبراطورية البريطانية، بعد هزيمة ملك بورما في العام 1826، لكنهم ما يزالون يعتبرون مهاجرين بنغالاً غير شرعيين. ولم يعترف قانون الجنسية الصادر في العام 1982 بالروهينجا كواحدة من 135 مجموعة عرقية تنتشر في البلاد، كما أن إمكانية حصولهم على الرعاية الصحية والتعليم والتوظيف محدودة للغاية، ناهيك عن القيود المفروضة على حرية حركتهم.
ما يزال التحول الديمقراطي في ميانمار هشاً، في حين تتنافس قضايا مثل العلاقات المدنية العسكرية، والفقر، والنمو الاقتصادي، والحوكمة على انتزاع الاهتمام. لكن أولوية الاهتمام يجب أن تُعطى أولاً لوقف الأعمال العدائية وحل أزمة الروهينجا. ويرسم التقرير الذي أصدرته اللجنة الاستشارية حول راخين، والتي يرأسها الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كوفي عنان، في آب (أغسطس) الماضي طريقاً محتملاً للمضي قدماً وتجاوز هذا الوضع.
لن تداوي هذه الخطوات الخمس كل الجروح أو تضع نهاية لكل مَظلمة، لكنها يمكن أن تساعد في تخفيف المعاناة بالحيلولة بدون وقوع المزيد من الأعمال الوحشية، وردع التطرف العنيف، وتحسين أمن الحدود. وربما تكون هذه أفضل نتيجة ممكنة في الوقت الحالي.

*الأمين العام المساعد السابق للأمم المتحدة، ومدير مركز عدم الانتشار النووي ونزع السلاح في الجامعة الوطنية الأسترالية.
*خاص بـ ‘‘الغد‘‘، بالتعاون مع بروجيكت سنديكيت".

التعليق