توقعات "ستراتفور" للربع الرابع من 2017: (2-2) .. الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تم نشره في الخميس 12 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً
  • عربات عسكرية أميركية في مدينة منبج السورية - (أرشيفية)
  • مقاتل من حزب الله يغرس علمي الحزب ولبنان على الحدود مع إسرائيل - (أرشيفية)
  • عربة إطلاق صاروخ "سكود" ليبية من بقايا ترسانة نظام القذافي - (أرشيفية)
  • لوحة دعائية تطالب برفع الحصار عن دولة قطر -(أرشيفية)

تقرير – (مركز ستراتفور) 28/9/2017

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

تشكل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مفترق طرق العالم. وهي تضم شبه الجزيرة العربية، وجبال إيران، وسهول تركيا، وصحارى بلاد الشام، وأراضي شمال الصحارى الأفريقية وكل الساحل بينها. وقصة المنطقة، كما هو دائماً حال الأماكن العالقة بين اللاعبين الخارجيين، هي قصة تجارة وتبادل وصراع. والقوتان التقليديتان في المنطقة هما تركيا وإيران -والسعودية ومصر هما القوتان العربيتان الراهنتان- ما يجعل التنافس فيما بينها من أجل النفوذ على الدول الأضعف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مسرحاً للعنف وعدم الاستقرار.
أبرز التوقعات:
• سواء صادق البيت الأبيض على امتثال إيران للاتفاق النووي أم لا خلال هذا الربع، فإن الولايات المتحدة لن تتخلى عن الاتفاق بشكل كامل، حتى بينما تضع المزيد من الضغوط المالية والعسكرية على إيران في إطار محاولة احتواء نفوذها في الشرق الأوسط. ومع أن إيران ستستجيب للتوتر المتصاعد مع الولايات المتحدة بخفض التوتر في علاقاتها مع السعودية وتركيا، فإن تنافس طهران مع خصومها الإقليميين سيستمر في التجلي من خلال معارك بالوكالة في جميع أنحاء الشرق الأوسط.
• من المرجح أن يصنع الاستفتاء على الاستقلال في كردستان زخماً جديداً -وتوتراً- في المفاوضات بين أربيل وبغداد على تقاسم عوائد النفط والمناطق المتنازع عليها، بينما يستعد الساسة العراقيون للانتخابات الحاسمة في العام 2018.
• بينما يواصل "داعش" خسران الأرض في سورية، سوف تظل القوى التي تدعمها الولايات المتحدة وروسيا عرضة لخطر التلامس مع بعضها بعضاً، مما يزيد خطر وقوع اشتباكات بينها، والتي يمكن أن تجر رعاتها الأجانب أقرب إلى حمأة المعركة.
*   *   *
الولايات المتحدة تقف وحدها ضد الاتفاق النووي
من الحروب في سورية والعراق واليمن، إلى استفتاء الاستقلال في كردستان العراقية، سوف تكون لإيران يد في كل قضية ملحة تقريباً في الشرق الأوسط في هذا الربع من العام. وبذلك، ستراقب المنطقة عن كثب لترى الكيفية التي تتفاعل بها طهران مع العالم، خاصة بينما يصبح اتفاقها النووي مع القوى العالمية أكثر هشاشة من أي وقت مضى. وفي جهد يرمي إلى الحد من نفوذ طهران المتزايد في الشرق الأوسط، يضغط الكثير من المسؤولين الأميركيين من أجل إعادة تطبيق بعض العقوبات ضد إيران، والتي كانت خطة العمل الشاملة المشتركة قد جمدتها. كما دعا الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أيضاً إلى تمديد مدة الصفقة، وهو موقف يتعارض مع وجهات نظر الموقعين الآخرين على الاتفاقية -الصين، وروسيا، وألمانيا، وفرنسا والمملكة المتحدة.
سوف تأتي هذه القضية إلى المقدمة يوم 15 تشرين الأول (أكتوبر) عندما ستقرر وزارة الخارجية الأميركية، بناء على توصية الرئيس، ما إذا كانت ستعيد المصادقة على الاتفاق النووي الإيراني. ولأن معظم الأدلة، بما فيها النتائج التي توصلت إليها الوكالة الدولة للطاقة الذرية، تشير إلى أن طهران احترمت جانبها من الصفقة، فسيكون من المستحيل تقريباً على البيت الأبيض أن يبرر حجب الشهادة على أساس حدوث خرق مادي من طرف إيران. لكن واشنطن قد تختار عدم إصدار الشهادة محتجة بأن الصفقة لا تخدم أفضل مصالح الأمن القومي الأميركي. وفي حال رفض البيت الأبيض تقديم شهادته -أو تقديم تقرير من الأساس- فستكون لدى الكونغرس فترة 60 يوماً لبحث مسألة إعادة فرض عقوبات تتصل ببرنامج إيران النووي.
نظراً للدعم المستمر للاتفاق بين حلفاء واشنطن، إلى جانب التركيز الأميركي الكثيف على كوريا الشمالية في هذا الربع، لن يقبل المشرعون الأميركيون اقتراحاً بإعادة فرض العقوبات على إيران باستخفاف. فبعد كل شيء، لن يقتصر أثر مثل هذه الخطوة على انتهاك شروط الصفقة، وإنما يمكن أن يلحق الضرر بالشركات الأوروبية والشركات التي تتعامل مع إيران. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تخسر الولايات المتحدة الثقة والقبول لدى شركائها الأجانب، مما يجعل من الصعب تحقيق اقتراح تمديد الإطار الزمني للصفقة الذي يرغبه الرئيس. وبأخذ هذه التداعيات معاً، فإنها تقترح أنه مع أن خطة العمل الشاملة المشتركة هشة، فإنها ستظل متماسكة خلال فترة نهاية العام على الأرجح. ومع ذلك، سوف يسمتر البيت الأبيض في الإعراب عن مكامن قلقه من نشاطات إيران السياسية والعسكرية في أنحاء الشرق الأوسط، وسوف يحاصر طهران حيثما كان ذلك ممكناً عن طريق فرض عقوبات جديدة غير متصلة ببرنامج البلد النووي، وعن طريق الأمر بردود عسكرية سريعة على أي انتهاك إيراني.
على الرغم من تقلب الدعم الأميركي لاتفاق إيران النووي، سوف تحاول إيران الإبقاء على الصفقة من خلال تقوية علاقاتها مع الأطراف الأخرى في الاتفاقية، والحفاظ على الامتثال لشروطها وتحسين صورتها الدولية. فبعد تحرره من قيود العقوبات الثقيلة، عاود الاقتصاد الإيراني انتعاشه منذ تطبيق الاتفاق النووي، وهناك القليل من الفصائل في طهران والتي تبدي استعداداً لنقض هذا التقدم. وفي الحقيقة، يشهد اتساع نطاق صفقات إيران التجارية التي عقدتها مؤخراً مع بلدان عبر أوروبا وآسيا الباسيفيكي على حرصها على ترك عزلتها الدولية خلفها. وبالطريقة نفسها تقريباً، شرعت إيران في إعادة تأهيل صورتها كدولة مارقة، ولو أن ذلك يأتي في جزء منه لصرف الانتباه عن استخدامها للوكلاء في الصراعات الجارية في أنحاء المنطقة.
إيران تبقي على أعدائها قريبين
لن تنتهي محاولات إيران لتطبيع دورها في المجتمع الدولي بصفقاتها التجارية الأخيرة مع أوروبا. ومع تصاعد الضغوط من واشنطن، سوف تسعى إيران إلى الحصول على الغوث في أماكن أخرى عن طريق إعادة تدفئة العلاقات تدريجياً مع السعودية وتركيا. وسيكون من شأن علاقات أقل عدائية مع هؤلاء المنافسين منذ وقت طويل تمكين إيران من إبقاء أعدائها على مقربة، بينما تقوم بتحقيق أهداف معينة، بما فيها إصلاح سمعتها.
منذ قامت السعودية بإعدام رجل دين شيعي بارز في مطلع العام 2019، والذي حرض شن هجوم على السفارة السعودية في طهران، كانت العلاقات بين الرياض وطهران مشوشة بشكل خاص. لكن المملكة سيكون لديها حافز لاستكشاف تقارب محدود مع إيران: فالسعودية تستعد لانتقال حساس في القيادة، وهي تسعى إلى تخفيف المدى الذي تستطيع به طهران تقويض الحكومة في الرياض. ومن جانبها، تأمل إيران في منع النفوذ السعودي من الامتداد إلى معاقلها الدبلوماسية الخاصة.
في حين يتحسس الخصمان منذ فترة طويلة مياه التعاون، فإن المنافسة بينهما ستستمر. وستأخذ منافستهما مركز الصدارة في العراق الذي يجد نفسه على مفترق طرق من نوع ما. وعلى مدى الأشهر الأخيرة، شقت السعودية (والكويت والإمارات العربية المتحدة إلى حد ما) طرقاً إلى المؤسسات السياسية والأمنية في العراق؛ حيث عرضت الدعم على ساسة عراقيين من مختلف المشارب الدينية والعرقية، بينما يستعد البلد الذي مزقته الحرب لإعادة بناء نفسه -ولإقامة انتخابات إقليمية وبرلمانية في النصف الأول من العام 2018.
سوف يتعين على كبار الساسة الشيعة في العراق العثور على طريقة للموازنة بين المطالب الوطنية للناخبين، والدعم الحاسم لحليفتهم التاريخية، إيران، والمساعدة الجديدة من شريكتهم الجديدة، السعودية. وقد أوضحت المملكة السنية نيتها توسيع قبولها في جميع أنحاء البلد -وزيادة تواجدها في المناطق التي اعتبرتها إيران تقليدياً مجالها- من خلال التحضير لبناء قنصليتين في المنطقة المركزية ذات الأغلبية الشيعية من العراق. وسوف تُظهر هذه الخطوة استقلال الحكومة العراقية عن إيران وتعزز شرعية الساسة بين الناخبين العرب قبل انتخابات العام 2018.
حريق بطيء في سورية واليمن
سوف تتصادم مصالح السعودية وإيران في ميدان معركة آخر في الشرق الأوسط أيضاً: الحرب الأهلية اليمنية. ومع عدم وجود نهاية في الأفق للصراع المطول، شرعت الشقوق في داخل تحالفات البلد الشمالية والجنوبية في الانتشار. فإلى الشمال، أصبح التحالف البراغماتي بين الحوثيين وبين أتباع الرئيس السابق علي عبد الله صالح تحت ضغط متزايد بينما أصبح أعضاء الفصيلين يحاربون بعضهم بعضاً. ومع ذلك، سوف يصمد تحالف الثوار في اليمن طالما ظل الحل السياسي للحرب بعيد المنال. ومع كل محاولة جديدة يبذلها الثوار لإطلاق الصواريخ في اتجاه السعودية، سوف تصبح الرياض أكثر اقتناعاً بأن إيران تقوم بتزويدهم بالسلاح الذي يفاقم التهديد الذي تتعرض له حدود المملكة. وفي الأثناء، سوف تسعى الحركة الجنوبية إلى المزيد من الاستقلال عن دول الخليج والحكومة التي تقف إلى جانبها في عدن.
في منطقة شرق المتوسط، سوف تنهي القوات السورية عملياتها ضد "داعش" في الرقة خلال هذا الربع من العام. وبينما تخسر المجموعة الإرهابية الأرض بثبات في سورية والعراق، سوف تعزز القوات الموالية لدمشق مواقعها في دير الزور قبل الانطلاق شرقاً نحو الحدود العراقية. وسوف تسابِق للوصول إلى وجهتها قبل أن يتمكن التحالف العربي السوري المتحالف مع الولايات المتحدة من اعتراضها بالتوغل جنوباً على طول نهر الخابور، لكن خطر وقوع اشتباكات متقطعة بين المجموعتين سيكون عالياً. ومع أن الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة وروسيا لنزع إمكانية الصدام في ساحة المعركة ستمنع الموقف من التصعيد، فإن كلا الطرفين سيتنافس للسيطرة على حقول النفط في المنطقة -بما فيها حقل العمر الأكبر في سورية.
وفي الأثناء، سوف تركز تركيا جهودها على نقض المكاسب التي حققتها قوات وحدات حماية الشعب الكردية. ولتحقيق هذه الغاية، سوف تشن أنقرة هجمات جديدة ضد المجموعة في معقلها، كانتون عفرين. لكن تركيا ستواجه هناك مقاومة صلبة من روسيا التي تحتفظ بوجود عسكري لها في المنطقة، والتي منعت بشكل متكرر تحرك القوات التركية في سورية من قبل، على الرغم من محاولات أنقرة التفاوض مع موسكو (وطهران) من أجل تحصيل فرصة لمتابعة هجومها ضد وحدات حماية الشعب الكردية. وبالمثل، سوف تبقى تركيا محبطة وغاضبة من الدعم الأميركي المتواصل للمقاتلين الأكراد وحليفهم الوثيق، التحالف العربي السوري.
في إطار محادثات السلام السورية التي استضافتها العاصمة الكازاخية، أستانا، حاولت روسيا وإيران إقناع تركيا بإعادة التفكير في مساعدتها لجماعات الثوار في إدلب. وكما يحدث، فإن مصدراً غير متوقع ظهر لدعم قضيتهما: هيئة تحرير الشام. وبإدراكها لتجمع هجوم تشنه القوات الموالية للنظام في الأفق، عكفت المجموعة السلفية المتشددة على تقوية دفاعاتها في محافظة حلب منذ أشهر، مجبرة شركاء تركيا من الثوار على التراجع أثناء العملية. وفي إطار حرصها على استعادة الأرض والنفوذ اللذين خسرتهما لصالح هيئة تحرير الشام، ربما تختار تركيا الاضطلاع بدور عسكري أكثر نشاطاً في شمال المحافظة، بينما يهاجم الموالون للنظام السوري المدعومون من روسيا وإيران المجموعة في جنوب المنطقة وشرقها خلال الأشهر القليلة المقبلة.
بينما يتحول زخم الحرب الأهلية السورية لصالح الموالين، فإن واحداً من حلفائهم الرئيسيين -مجموعة حزب الله اللبنانية المتشددة- سيكون حراً في تجميع قواته على حدود إسرائيل مرة أخرى. وإدراكاً منها للعودة الوشيكة لخصمها المدعوم من إيران، سوف تصعد إسرائيل من ضرباتها ضد حزب الله وشركائه قبل أن تتسنى للمنظمة الفرصة لإعادة التجمع. ويمكن أن يشجع تزايد النفوذ الإيراني في سورية إسرائيل على اتخاذ إجراء أسرع ضد حزب الله، ولو أن القيام بذلك سوف يتطلب أولاً إجراء مفاوضات معقدة مع روسيا. ولكن إسرائيل ستتحرك، بغض النظر عن ذلك، بقوة في سورية خلال الربع المقبل بينما يصبح وجود إيران الدائم هناك أكثر تأكيداً باطراد.
الاستقلال الكردي ما يزال بعيداً عن المتناول
أحد الأشياء القليلة التي يمكن أن تتفق عليها قوى الشرق الأوسط هو الاستفتاء الكردي. وقد أقيم الاقتراع المنتظر منذ وقت طويل للأمة التي بلا دولة لنيل الاستقلال عن حكومة العراق المركزية في بغداد يوم 25 أيلول (سبتمبر)، وأسفر التصويت عن "نعم" مدوية، والتي ضمنت للحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم الحصول على الولاية الشعبية التي سعى إليها. والآن، سوف يستخدم الحزب هذه الولاية لتعزيز موقعه على قمة كردستان العراقية، وسوف يقوم بتحسين موقفه في المفاوضات مع بغداد على حقوق الطاقة، والأموال، والمناطق المتنازع عليها. لكن المنافسين الأكبر للحزب الديمقراطي الكردستاني –حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، وحزب غوران- سيعملان على تأمين حصتهما من القوة السياسية والمالية خلال المحادثات مع بغداد، والتي ستبدأ بشكل جدي في العام 2018 بعد أن يخف غضب الحكومة المركزية من الاستفتاء. وبينما تحاول الأحزاب الكردية ضمان تحقيق نتائج الاستفتاء، فإن الشقوق بينها سوف تتعمق، متسببة في تأجيج الخلافات التي ستظهر في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقرر إجراؤها في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
سوف يتفاقم الاقتتال الكردي الداخلي فقط بينما يؤيد أكبر الداعمين الماليين لحكومة إقليم كردستان -تركيا، وإيران والولايات المتحدة- موقف بغداد ويحجبون المساعدات الإضافية عن أربيل والحيلولة دون أن يكون الاستفتاء أي شيء سوى رمز، من أجل الحفاظ على الاستقرار في أنحاء المنطقة. والآن وقد تلاشى التهديد المباشر لـ"داعش"، أصبحت القوات الكردية والعربية المصطفة ضدها تحت خطر توجيه غضبها تجاه بعضها بعضا بينما تكافح من أجل السيطرة على الأراضي القيِّمة. ولدى كل من أربيل وبغداد ميليشيات في المناطق المتنازع عليها، مثل كركوك وديالى. وبينما تتصاعد التوترات بينهما، فكذلك حال خطر حدوث اشتباكات على الأرض بين هذه الميليشيات. وبعد أن توحدت في رفضها الاستفتاء خوفاً من السابقة التي يشكلها بالنسبة لمجتمعاتها الكردية الخاصة، سوف تستخدم إيران وتركيا وكلاءهما في كردستان العراق للدفاع عن مصالحهما في هذه النزاعات على الأراضي خلال هذا الربع من العام. وسوف تتوطد علاقاتهما ببغداد باطراد بينما تعملان مع الحكومة العراقية المركزية لاحتواء تداعيات التصويت الكردي.
النزاعات والإصلاحات في دول مجلس التعاون الخليجي
عبر حدود العراق الجنوبية، سوف تكون السعودية بصدد التعامل مع بضع أزمات خاصة بها نفسها. في الأشهر الأخيرة، قادت المملكة حفنة من قريناتها في مجلس التعاون الخليجي في حملة لعزل قطر كعقاب لها على بعضٍ من سياساتها. وكشفت المشاحنة عن العيوب في خطط الكتلة لتحقيق مزيد من التكامل عن طريق تعرية الضرورات المتناقضة لأعضائها. وعلى سبيل المثال، تتقاسم السعودية والإمارات العربية المتحدة أهداف وقف انتشار النفوذ الإيراني والجماعات الإسلامية -وهما اثنان من الدوافع الرئيسية وراء فرض الحصار على قطر- لكن أولوياتهما العملية تفترق. وبالإضافة إلى ذلك، أظهر استئناف قطر علاقاتها مع إيران مؤخراً المدى الذي أتى به الحصار بنتائج عكسية، وكذلك المدى الذي تعتمد فيه الدوحة على علاقاتها مع طهران وأنقرة لمقاومة الآثار الضارة لعزلتها.
على المدى البعيد، سوف يؤدي الحصار إلى إضعاف نسيج دول مجلس التعاون الخليجي بكليّته. وسوف تتواصل الحروب الإعلامية من نوع "العين بالعين" لوقت طويل بعد أن يتوصل الطرفان إلى حل سياسي للأزمة، وسوف تكون عداوتهما الدائمة قيد العرض الكامل خلال القمة السنوية للكتلة التي ستعقد في كانون الأول (ديسمبر) -هذا إذا انعقدت من الأساس. ومع ذلك، سوف تحاول دول مجلس التعاون الخليجي بشكل منفرد تجميع ميزانياتها للعام 2018 والوفاء بالموعد النهائي المقرر في كانون الثاني (يناير) لتفعيل ضريبة القيمة المضافة المتفق عليها. ولن يجعل انعدام الثقة المتبادل، تؤججه العداوة مع قطر، أياً من هذين الهدفين سهل التحقيق.
بينما يتكشف الخلاف، سوف تواجه السعودية التحدي الإضافي المتمثل في رؤية تغييرات جذرية عدة وهي تحدث في أعلى مستويات حكومتها. وسوف يكون ولي العهد المعين حديثاً، الأمير محمد بن سلمان، حريصاً على ضمان أن يتمتع بالدعم الحاسم من قادة البلد ومواطنيه، خاصة بعد إصلاح الأجهزة الأمنية في المملكة. وقد ازداد انتباهه لقاعدته السياسية وسط إشاعات عن تنازل الملك الوشيك عن العرش، فيما يشير إلى أن الأمير الشاب قد يتولى العرش في المستقبل القريب. ويُظهر اعتقال السلطات مؤخراً للعديد من رجال الدين والناشطين والمفكرين البارزين عزم الأمير على تثبيط المعارضة بينما تلوح الخلافة الملكية في الأفق، وبينما تستمر مشاكل الرياض المالية. وسوف تكافح المملكة لتعزيز عوائدها غير النفطية خلال الربع الرابع بينما تضع قيد العمل آخر تكرار من خطة للتوسع في التوظيف بين مواطنيها. وسوف تعطي كل هذه التغيرات الصاخبة للسعودية سبباً إضافياً للسعي إلى الهدوء حيث تستطيع، بما في ذلك علاقاتها مع إيران.
في ليبيا، عملية سلام متجددة
سوف تختبر ليبيا أي شيء إلا الهدوء في الربع المقبل بينما يواصل ممثلو حكومة الوفاق الوطني في طرابلس والبرلمان في طبرق التفاوض على حل سياسي للصراع، ووضع دستور جديد، وعلى دور لجيش المشير خليفة حفتر في أي حكومة وحدة مستقبلية. ومع أن خطة عمل تقودها الأمم المتحدة، والتي كُشف النقاب عنها في أيلول (سبتمبر) أعادت تنشيط المحادثات، فإن من غير المرجح أن تقود إلى انفراج قبل نهاية العام. فبعد كل شيء، ما يزال حفتر شخصية مثيرة للانقسام في غرب ليبيا، وهو يسيطر على ما يكفي من البلد -ويفتخر بما يكفي من الدعم الخارجي- ليواصل الصمود بينما يضعف موقف خصومه السياسيين في الغرب.
سوف يبقى إنتاج النفط الليبي متقلباً مثل سياستها. وعلى الرغم من أن الإنتاج بلغ ذروته عند نحو مليون برميل يومياً في تموز (يوليو) -وهو أعلى رقم شهده البلد منذ العام 2014- فإن ذلك الارتفاع لم يدم طويلاً. فقد أغلق أفراد الأمن والميليشيات العديد من خطوط الأنابيب والحقول النفطية الرئيسية في آب (أغسطس) وأيلول (سبتمبر) في محاولة للمقايضة من أجل الحصول على رواتب أعلى أو أجور غير مدفوعة. ويشكل استخدام المجتمعات المحلية والميليشيات أنابيب النفط كوسيلة للضغط سمة ثابتة في صناعة الطاقة الليبية، والتي يرجح أن تستمر خلال الأشهر القليلة المقبلة.
وفي الأثناء، عادت الفروع الليبية التابعة لتنظيم "داعش" إلى الظهور. وبعد إطلاق العديد من الهجمات خلال الربع الثالث، من المرجح أن يواصل المسلحون تهديد نقاط التفتيش الأمنية والبنية التحتية للنفط والمياه حتى نهاية العام. وسوف يشجع نشاطهم قيام تعاون تكتيكي بين القوى الليبية المتنافسة التي تتقاسم هدف القضاء على "داعش"، مثل "البنيان المرصوص" والجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر.
لن تكون عودة فروع "داعش" مقصورة على ليبيا. فبينما تفقد المجموعة الإرهابية الأرض في سورية والعراق، فإنها ستعود إلى تكتيكات التمرد والإرهاب التي اعتمدت عليها قبل تأسيس ما تدعى "الخلافة". وفي الوقت نفسه، سوف تركز المجموعة على تعزيز "ولاياتها" في شبه جزيرة سيناء، وشمال أفريقيا، وأفغانستان وباكستان، من أجل صرف الانتباه عن انتكاساتها في ميدان المعركة.
وعلى الرغم من خسارات "داعش" في الأراضي والقوى البشرية، ما تزال لدى التنظيم منافد إعلامية قابلة للحياة، وقادرة على إلهام الهجمات على المستوى الشعبي في كل أنحاء العالم. ولكن، وعلى الرغم من أن هذه المنافد دعت الأتباع إلى تنفيذ عمليات متطورة ومعقدة، من التسميم بالسيانيد إلى إخراج القطارات عن سكتها، فإن أنواع الهجمات التي يرجح أن ينفذها أتباع المجموعة ستكون أبسط تكتيكياً، من نوع الهجوم بالسكاكين أو المركبات.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان: 2017 fourth-quarter forecast: Middle East and North Africa
*مؤسسة التنبؤات الاستراتيجية، Strategic Forecasting, Inc؛ والمعروفة أكثر باسم "ستراتفور" STRATFOR، هي مركز دراسات استراتيجي وأمني أميركي، يعد إحدى أهم المؤسسات الخاصة التي تعنى بقطاع الاستخبارات، وهو يعلن على الملأ طبيعة عمله التجسسي، ويجسّد أحد أبرز وجوه خصخصة القطاعات الأميركية الحكومية. تطلق عليه الصحافة الأميركية اسم "وكالة المخابرات المركزية في الظل" أو الوجه المخصخص للسي آي إيه، The Private CIA. ومعظم خبراء مركز ستراتفور ضباط وموظفون سابقون في الاستخبارات الأميركية.

التعليق