علاء الدين أبو زينة

المصالحة الفلسطينية.. البراغماتية والمبدأ..!

تم نشره في الأربعاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:07 مـساءً

لستُ بين المتفائلين بالمصالحة الفلسطينية الأخيرة بسبب تاريخ "المصالحات" الفاشلة. وفي ذهني صورة مستقرة من أيام الطفولة في أواخر الستينيات تعزز هذا الانطباع: كنا نسمع إطلاق رصاص كثيف، ثم نعرف أنه اشتباك بالكلاشينات بين "فتح" و"الشعبية" و"الديمقراطية". وظلت الأسئلة المحيرة منذ ذلك الوقت: كيف يشتبك بالرصاص الحي أبناء شعب منفيّ، مستهدف جداً، وعلى طبقه ما يكفي من المصائب؟ وكيف يتآمر فلسطيني على نفسه وكينونته الجمعية، فيختلف مع مواطنه حد الاقتتال البهيمي، متجاهلاً التبرير الوجودي للوفاق الوطني على الغاية والوسائل كأمل واحدٍ وحيد؟
ولم تعد المسألة تتعلق بفصيلين أو ثلاثة تقسمها الأيديولوجيا. أصبح لدى الفلسطينيين عشرات التنظيمات الرئيسية والفرعية والمنشقة المتناحرة، وكلٌّ يدّعي امتلاك وصفة تحرير فلسطين، ويختلف مع "الآخر" الفلسطيني حد استهدافه بالتصفية. وأصبح الانضمام إلى منظمة يعني عملياً معاداة أعضاء التنظيم الآخر وصرف الجهد في التحسُّب منهم أو التآمر عليهم. وأخيراً، اتخذ الفرز شكل فصيلين متعارضَين متناحرين، سهَّلا بطريقة مثالية عمل العدو واستفراده بالفلسطينيين وتمييع قضيتهم.
قبل ست سنوات، في العام 2011، كتبتُ في هذا المكان مقالاً بعنوان "ماذا بعد المصالحة الفلسطينية"؟ عقب إحدى "المصالحات"، ولم يحدث شيء ينزع الصلاحية عن محتواه –وليته حدث! والفكرة أن ما يحيط بهذه المصالحات لا ينطوي على الشرط الأساسي لنجاح أي مشروع أو مسعى: الإخلاص للمبدأ وحُسن النية. وقد عودتنا الفصائل الفلسطينية أن نبحث دائماً عن المنفعة الفصائلية وراء أي تقارب، والتي لا تتصل غالباً بدفع القضية الوطنية وإنما بدعم "النفوذ" و"الهيمنة" وتحقيق مكسب فئوي على حساب الفلسطيني "الآخر" فقط، وليس أبداً على حساب العدو.
في مراحل سابقة من الثورة، كانت الفصائل الفلسطينية تُسيّج قطعاً من الأرض "معسكرات" في الشتات، وترفع عليها أعلاماً (غير علم فلسطين)، وتحظر على الفصائل الأخرى الاقتراب منها تحت طائلة القتل، وكأنها "دولة ذات سيادة". ولم يكن هناك قطار واحد يجمع الفلسطينيين بطريق ووجهة واضحين صوب الوطن. ولم يكن التقسيم في أي وقت تطبيقاً لخُطة كُلية تُرتّب تقاسماً عبقرياً للأدوار في أداء أوركسترالي. كان دائماً تقسيماً جائراً لعواطف الفلسطينيين وطاقاتهم، وتشريحاً قاتلاً لقضيتهم ومسعاهم.
بعد انتقال الفصائل إلى الوطن المحتل، انتقلت "المعسكرات" المسيّجة. وأصبح الخلاف يتحدد بمدى التفريط بالأساسيات الوطنية، والصراع على سلطةٍ ما، وابتكار الحجج لتخوين الفلسطيني الآخر وإجهاض قضيته ونزع سلاحه. ووصل الأمر إلى حد الاختلاف الجذري المخجل على تعريف فلسطين –الحق، والجغرافيا- وعلى شرعية المقاومة، ناهيك عن تفارق الوسائل. وفي العملية، تغرَّب الفلسطينيون العاديون –من غير أعضاء المنظمات المهيمنة، وكوادرها النافذة حصراً- عن قضيتهم ولم يعد أحد يطلب رأيهم ومساهماتهم.
حتى بالمفهوم البراغماتي، لم تعد أي تحركات داخل-فلسطينية للتقارب أو الاختلاف مدفوعة بالتنافس على تحقيق الهدف الوحيد الأخلاقي والوجودي الذي غيّبه نداء السلطة المغوي كما يبدو: تحرير الوطن والإنسان. أصبحت براغماتية الفصائل منفصلة عن هذا المبدأ، لأنه تم التفريط بالمبدأ والانكباب على السفاسف. وفي مقابل مَن؟ عدوٍ تصوَّر، في ظروف مستحيلة نظرياً إقامة وطن في بلد الآخرين.
الآن، يُلمح في تحركات "المصالحة" الأخيرة طيف نفس التصيُّد ونيّة الإيقاع بالآخر ولهجة التعالي والمماحكة. ويبدو التحرك كله "تكتيكياً" للخروج من مأزق آني. والغائب المهم هو نفسه: حسنُ النية والمبدأ. ولا نكاد نلمح استراتيجية وطنية عملية يتفق عليها الفلسطينيون جميعاً، كخريطة طريق توظّف تقاسماً عبقرياً للأدوار في اتجاه تحقيق الحلم الوطني.
نعرف عن خلافات العدو وتناقضاته الداخلية، لكنه يقاتلنا دائماً من خندق واحد، ويقدّس مبدأ "دم اليهودي على اليهودي حرام". لكنهم يحللون لدينا –منذ أحداث الطفولة أعلاه، وحتى خلاف رام الله-غزة، سفك الدم الفلسطيني مع اعتقاد بالأحقية! كيف يمكننا توقع انصلاح حال نفسٍ المجرَّب الذي لا تخفى حصيلة عمله –كسباً للعدو وخسارات للقضية الفلسطينية؟!
كتب غرانت روملي: "لو كان تحقيق وحدة حقيقية ممكناً، لكان الفصيلان الفلسطينيان قد وجدا الصيغة غالباً في اتفاقاتهما السابقة: مكة في العام 2007؛ صنعاء في العام 2008؛ القاهرة في العام 2011؛ والدوحة في العام 2012؛ ثم القاهرة مرة أخرى في العام 2012؛ ومخيم الشاطئ للاجئين في العام 2014".

التعليق