إبراهيم غرايبة

المواطنة والأحزاب والمدينة

تم نشره في الخميس 12 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:06 صباحاً

يشكل العزوف عن المشاركة في الأحزاب السياسية محصلة متأخرة لتداعيات سياسية واجتماعية، ولا يمكن النظر إلى الأزمة بعيدا عن روايتها المنشئة، بل العكس فإن الانشغال بالظاهرة في نهاياتها ومآلاتها قد يضر ولا ينفع، المطلوب ببساطة هو إنشاء بيئة سياسية واجتماعية مشجعة على المشاركة ومواجهة الخلل والانتقاص في بيئة العمل والمواطنة والمشاركة.
لقد مرت عقود على العمل العام والسياسة العامة وتخطيط العلاقة بين الدولة والمجتمعات والأسواق تكرّس الانفصال عن الواقع ثم الاستعلاء عليه، ففي انشغال فئة واسعة من المعارضات والنقابات والطبقات الوسطى انشغالا تاما بالقضايا الخارجية أو الميتافيزيقية تكرست طبقات ومصالح واتجاهات قائمة على معارضة دائمة منفصلة عن السؤال الأساسي والبسيط لكنه على بساطته ينشئ متوالية الحكم والسياسة والمعارضة، وهو كيف نجمع وننفق المال العام بكفاءة وعدالة، أو في صيغة أبسط كيف نعيش حياتنا؟ هكذا فقد انفردت الحكومات المتعاقبة بتدبير الإنفاق العام وإدارة الخدمات الأساسية وتخطيط المدن وتنظيم العلاقة مع الشركات والنخب، وشغلت فئة واسعة من النخب والأجيال بالتحرير والصراعات الدولية والوحدة العربية والإسلامية وبناء وتصميم دور ديني جديد للدولة في التعليم والشأن الديني والاقتصاد واللباس والسلوك على نحو ليس دينا وليس سياسة ولا مشاركة، وصارت الحكومات المتعاقبة طبقة مغلقة تهيمن على الموارد العامة بلا حسيب ولا رقيب، ثم في مرحلة الخصخصة تحولت السياسة إلى تحالفات نخبوية وسلطوية بعيدا عن تأثير المجتمعات والطبقات ومصالحها، وصارت المعارضات والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني طبقة اجتماعية وسياسية تنشئ عالمها وأحلامها وأسواقها ومواردها الاجتماعية والاقتصادية المنفصلة عن تنظيم الحياة وتحسينها، والهشة والأقرب إلى التسول والوهم.
يبدأ ازدهار الأحزاب السياسية بوجود علاقة واضحة وعملية للمواطنين مع المدن والأماكن التي يعيشون فيها، ففي انخراطهم في إدارة شؤونهم وحياتهم يدركون بوضوح ما يريدونه وما لا يريدونه من الحكومة والشركات، وفي ذلك تتعدد اتجاهاتهم وأفكارهم وأساليب حياتهم وثقافتهم وعلاقاتهم وفق تقديرهم الأساسي لما يريدونه وما يحبون أن يكونوا عليه، ولا بأس بعد ذلك بتأييد أو معارضة الوحدة العربية واستقلال الكرد والاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج ومعركة الأرك وحمراء الأسد، .. وحمرا حمد أيضا.
عندما تواجهني رائحة الكلور في الماء وأحس بشوائبه في جسدي وشعري وعيني فإنني أفقد الشعور بالأمان والانتماء، وأشعر بالخوف، يراودني أحساس بأنني غريب أهدد المدينة وأنها تهددني، وعندما أكون وأبنائي غير قادرين على المشي في المدينة، وتكون أرصفتها وفضاءاتها غير متاحة لي ولأطفالي فإنني أشعر بأن المدينة معادية لي، وأني غير مرغوب فيّ هنا، وأن السلطة تديرها وتنظمها على نحو يفيض بالكراهية والعداء للمواطنين أو الاستخفاف بهم وعدم احترامهم، وفي الوقت نفسه فإن السلطة تبذل جهودا منظمة وذكية لجمع الضرائب وتسليط البنوك والشركات الموردة للخدمات الأساسية والضرورية في الحياة على المواطنين والمجتمعات والموارد العامة! في ظل هذه الحالة لا يجد المواطن حليفا له أو شريكا في ممارسة وأداء المواطنة أو حتى كونه مستهلكا وزبونا. المواطن ينشئ مواقفه ومخاوفه وآماله من معايشته وملاحظته للتنظيم الدقيق للأبهة والإبهار والسلطة والرقابة والعقوبات، وفي الوقت نفسه الفوضى في المدارس والمستشفيات والرعاية والأسواق والأرصفة والطرق والفضاءات العامة، والحكومة في راداراتها وكاميراتها وتشريعاتها الردعية الدقيقة والمنظمة والمتقدمة. في الوقت نفسه تترك الشوارع والأسواق والمصالح والمؤسسات العامة للفوضى والإهمال وغياب القانون، لتقدم رسالة واعية وواضحة بأن العلاقة بينها وبين المواطنين قائمة على الخوف والكراهية وليس الانتماء والمشاركة.

التعليق