المتدين: أطروحة "البلاء" و"الابتلاء"

تم نشره في الخميس 12 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

معاذ بني عامر

(1)
عندما يُصاب المتدين –أياً كان دينه- بأذى فإنه يعمد إلى تصنيف هذا الأذى كنوعٍ من (الابتلاء) الذي تبتليه به السماء؛ في حين أنه يُصنّف الأذى نفسه إذا ما أصاب عدوه أو حتى غير المتدين وفقاً لطريقته في التدين، على أنه نوع من (البلاء).
وفي تصنيفات المتدين لأطروحة (البلاء/ الابتلاء) فإنه يسعى إلى تأطيرها ضمن:
1 -    التحبّب من الإله، كما يحدث في حالة المرض أو الوباء. وقد حظيت قصة "أيوب" في السياقين اليهودي والإسلامي باهتمام كبير على المستوى الوجداني، فالقصة تعبير –رغم ما شهدته من آلام جسام- عن علاقة حميمة بين الإله والإنسان، فهذه المأثرة لم يكن لأحد أن يحظى بها إلا إذا كان ذا حظّ عظيم، لذا وقع الاختيار الإلهي على "أيوب"، فعُذّب عذاباً شديداً، وبالتقادم صار عذاباً عسلاً يتشوّف المتدين إلى لحسه والتمتّع بطعمه اللذيذ. فالإله إذ يبتلي الحبيب فإنه يبتليه إمعاناً في الحُبّ، فهو إذ يُجهده في عذاب أليم، فلكي يختبر قدرته أو بالأحرى لكي يتأكّد من حُبّه، اقتضاء لواقع تطبيق عملي، لا اقتضاء لواقع صور ذهنية غير محسوسة.
وفي الوعي الديني الشعبي، أمثلة دالّة على عمق هذا التوجّه، مثل: "تفاقيد الله رحمه" و"كفّارة إن شاء الله"، في حال أصيب المتدين بمرضٍ ما، فهو يعتبر أنّ ما حدث معه حتى لو كان مؤلماً ألماً شديداً؛ جائزة من الله، لكي يتطهّر من خطاياه!
إلا أن هذا السياق، أعني سياق التحبّب، يحتمل رفضاً للبعض –كحالةٍ أولى- إذا لم يكن تدينهم كتدين المتدين الذي يخوّل نفسه إطلاق أحكام قيمة نهائية على هكذا أمور. فالمرض الذي يصيبه قد يعتبره بالنسبة لغيره، لا سيما إذا لم يكن متدينا على طريقته، عقاباً من الإله. ولكم يتداول الناس أحاديث دالّة في هذا المجال لناحية أن رجل فلان كُسرت أو أصابه حادث سير أو دهسته سيارة لأنه لم يكن يؤدي صلاته بالشكل الصحيح أو لأنه لا يصوم أو لأنه لا يؤدي زكاة أمواله في مواعيدها، لكن هذا الكسر أو هذا الحادث في حال حدث للمتدين فإنه يعتبره (ابتلاءً) كما اعتبره لغيره (بلاءً).
وكحالةٍ ثانية، سيعتبر ما يصيب المُتدينين تحبّباً؛ نوعاً من العقاب إذا ما أصاب من هم على غير دينهم، لذا يكثر التشفّي بمن ماتوا في إعصار أو زلزال لأنهم لا يدينون بالدين نفسه. فتلك علامة من علامات الانتقال التي يرسلها الإله لكي يشفي صدور أحبابه ممن هم على الحق المبين.
وعليه، فسياق التحبّب قد ينحو منحيين: أ- منحى ثوابي يطال متديناً بعينه من دون الآخرين. ب- منحى عقابي يطال مَن لم يكن متدينا على طريقتنا.
2 -    العقاب من الإله، نظراً لمخالفة تعاليمه أو التقصير في أدائها. وفي هذا السياق كان "يوحنا النيقي" قد اعتبر أن غزو المسلمين لمصر هو بمثابة عقاب إلهي للمسيحين لأنهم ابتعدوا عن تعاليم الإله، فقد كتب في كتاب The history of John the Nicene والذي تُرجم أساساً عن اللغة الأثيوبية ونقل إلى العربية تحت عنوان: (تأريخ يوحنا النيقي): "وهكذا فإنّ الله عاقبهم (يقصد المصريين) لعدم تشريفهم لافتداءات آلام سيدنا وقديسنا المسيح المنقذ الذي أعطى حياته لأولئك الذين اعتقدوا به، نعم لهذا السبب جعلهم الله يولون الأدبار للمسلمين".
وثمة رواية لها علاقة بما نتحدث عنه وإن كنت بالاتجاه المُعاكس، تروى بكثيرٍ من الوجل والخفر عن صلاح الدين الأيوبي إذ كان يتفقد الجُند قبل ليلة من معركة حيطن، فوجد الجيش كلّه مستيقظا بين قارئ للقرآن ومُصلٍّ وقائم لليل، إلا رجلا واحدا وجده نائماً فأيقظه وأنبّه وقال له بما معناه: أتريدنا أن نخسر المعركة بسببك؟! كيف لا وهم بإزاء لحظة مفصلية ستكون الأثرة فيها للعالَم الغيبي، لا لحاجات الإنسان الأساسية. ففي أوقات الحروب ليس ضرورياً أن ينام الجندي المُتدين أو يأكل أو يبعث برسالةٍ لأمه أو حبيبته، بل الضروري والمفصلي أن يُصلّي ويتهجد ويقرأ المزامير والأسفار والآيات، لكي لا تطاله يد الإله فلا تقضي عليه فحسب، بل وعلى الجيش كاملاً أيضاً.
وعليه، فسياق العقاب من الإله، يأخذ منحيين هو الآخر: أ- منحى ثوابي أو نوعا من (الابتلاء) إذا ما طال المتدين. ب- منحى عقابيا أو نوعا من (البلاء) إذا ما طال غير المتدين.
(2)
تنطوي أطروحة (البلاء/ الابتلاء) كما يتمثلها المُتدين، ذهناً وسلوكاً، على مفارقتين جوهريتين أمكنني اختصارهما بالآتي:
الأولى: سيكولوجية، إذ تنطوي هذه الأطروحة لناحية اعتبار ما يصيب الذات نوعاً من (الابتلاء) نظراً للعلاقة الحميمة التي تربط هذا المتدين بإلهه، واعتبار ما يصيب الآخر –سواء أكان هذا الآخر داخليا أو خارجيا، من داخل الدين وخارجه- (بلاءً) يأخذ طابع المصيبة والعداء الانتقامي... تنطوي على حسّ سيكولوجي يعزّز مسلكيات الذات الأنانية، فهي ذات عُصابية تُوسوس لناحية أفضليتها المُطْلَقة في هذا العالَم، ولا معنى لآلام الآخرين وعذاباتهم وأحلامهم وأشواقهم، فالآلام الوحيدة هي آلامه، وكذا أحلامه وعذاباته وأشواقه. وسأختصر هذه المفارقة بما سأصطلح عليه بـ (تجليات العقل الكيدي).
الثانية: تدميرية، إذ ثمة قبول تسليمي بما آل إليه الوضع، حتى لو احتمل خراباً كبيراً، على المستويين الفردي والجمعي. وهي تكريس انتحاري لكلّ ما يمكن أن يحيق بالمتدين من مرض أو حرب أو وباء أو إعاقة جسدية أو إهانة معنوية، فكلّه بتوفيق وتسديد من الإله. فإن أصاب الذات كان (ابتلاءً) يُثاب عليه، وإن أصاب الآخر –سواء أكان من داخل الدين أو من خارجه- كان (بلاءً) يُعاقب بسببه. وسأختصرُ هذه المفارقة بما سأصطلحُ عليه بـ (تجليات العقل الاستسلامي).
(3)
علمياً كان يفترض بي أن أخلص إلى النتيجة التي صغتها في بداية مقالتي في الخاتمة، لا أن أضعها في المقدمة. إذ كان حريّ بي أن أتدرج في المقدمات لكي أصل إلى النتيجة. لكن –وهنا لا أدافع عن وجهة نظري بقدر ما أدافع عن سياق منطقي من جهة وواقعي من جهة ثانية- النتيجة التي سطّرتها أعلاه، مقدماتها ليست في مقالتي، بل في حياة المُتدينين، لذا وضعها في المقدمة كان ضرورةً، لا انحيازاً.

التعليق