عالم ألمانيا الجديد

تم نشره في الخميس 12 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

يوشكا فيشر*

برلين - كانت نتائج الانتخابات الفيدرالية الألمانية الأخيرة غير متوقعة ومقلقة للغاية، على الأقل حسب المعايير الألمانية. فقد تمت معاقبة الحزبين الرئيسيين، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، والاتحاد الديمقراطي المسيحي، مع حزبه الشقيق البافاري، الاتحاد الاجتماعي المسيحي، من خلال صناديق الاقتراع، بعد حكمه في إطار ائتلاف كبير تحت قيادة المستشارة أنجيلا ميركل على مدى السنوات الأربع الماضية.
كان أداء الحزب الاشتراكي الديمقراطي هو الأسوأ له في أي انتخابات اتحادية منذ أول انتخابات للجمهورية الاتحادية في العام 1949. وبالمثل، أظهر تحالف الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي ثاني أسوأ عرض لهما منذ العام 1949، كما عانى الاتحاد المسيحي من أسوأ خسارة له في الانتخابات الاتحادية في تاريخه. وهذا أمر مهم للغاية، نظراً لأن بافاريا ستجري انتخابات على مستوى الدولة في العام المقبل.
حسب ما قيل، كانت الانتخابات عبارة عن انهيار ساحق أمام ائتلاف ميركل الكبير. وإلى حد كبير، يمكن أن ينظر إليه على أنه صوت احتجاج ضد ميركل نفسها. وهي، على الصعيد الدولي، موضع تقدير كامرأة دولة فعالة وضامنة للاستقرار والسلطة الأخلاقية في الغرب. ولكن، أصبح من الواضح في ألمانيا أن ذلك لم تعد له أهمية.
كان أكبر خطأ ارتكبته ميركل في هذه الانتخابات هو الاعتماد على نفس الإستراتيجية الدفاعية التي استخدمتها في الانتخابات الأخيرة، عندما فازت بشكل مدوٍ. وقد ظنت أن تجنب الجدل والحفاظ على الهدوء بشأن القضايا الرئيسية التي تواجه أوروبا سينجح مرة أخرى. وأظهر ذلك أنه سوء التقدير، نظراً لأزمة اللاجئين في العام 2015 وآثارها على ألمانيا، ناهيك عن صعود حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، الذي حاز على نحو 13 % من الأصوات.
كان العديد من الألمان يتساءلون عن مستقبل بلدهم والهوية الوطنية الألمانية. ولم تقدم ميركل إجابات كافية عن هذه الأسئلة. وبينما ظلت صامتة، شغل الشعبويون مثل نائب رئيس حزب البديل من أجل ألمانيا ألكسندر غولاند موجات الأثير بالنداءات الصاخبة للحنين العرقي والقومي.
كان الفائز الأكبر في هذه الانتخابات هو حزب البديل من أجل ألمانيا الذي يضم أعضاؤه النازيين الجدد وغيرهم من المتطرفين. ونجاح الحزب هو بمثابة عار لألمانيا. فبعد 72 عاما، يعود اليمين المتطرف إلى البوندستاغ -ويشكل الكتلة الثالثة الأقوى. ويعد هذا الحزب الآن ثاني أكبر حزب في الولايات (الولايات الاتحادية) التي تضم ألمانيا الشرقية السابقة.
وليست ألمانيا الدولة الأوروبية الوحيدة التي حقق فيها الشعبويون اليمينيون مكاسب انتخابية في السنوات الأخيرة. لكن عودة اليمين المتطرف في أي بلد لا تشكل نفس الخطورة مثلما هو الحال في ألمانيا، بسبب تاريخها الاستثنائي. ولمنع التسبب بإلحاق أضرار لا يمكن إصلاحها بالديمقراطية الألمانية، يجب على الأطراف التي ما تزال قائمة على القيم الديمقراطية أن تأخذ على محمل الجد مسؤوليتها لتشكيل حكومة جديدة.
من المؤكد أن ميركل ستظل مستشارة في الحكومة المقبلة. وبينما يناقش أعضاء الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي المسألة في الأيام القادمة، فإنهم لن يجدوا بديلا موثوقا أو شعبيا مثلها. وسواء كانت هناك خسائر انتخابية أم لا، لا يمكنك الإطاحة بالمستشارة من دون وجود بديل مقنع. وما تزال ميركل محظوظة: السكاكين لم تخرج بعد؛ وحتى لو أخرجت، فإنها لن تريق الدم على الأرجح –والآن على الأقل.
ثمة نتيجة أخرى غير متوقعة للانتخابات تتمثل في أن قادة الحزب الديمقراطي يدعون الآن للانضمام إلى المعارضة -وكأن المشاركة في الحكومة لعنة يجب تجنبها بأي ثمن. وهذا سيجعل عملية تشكيل الحكومة المقبلة طويلة ومضنية، وهو أمر غير عادي في السياسة الألمانية.
ومع رفض الحزب الاشتراكي الديمقراطي المشاركة في ائتلاف كبير، فإن الخيار الوحيد المتبقي القابل للتطبيق حسابياً هو تحالف "جامايكا" –نسبة إلى علم جامايكا الأسود والأصفر والأخضر- والذي يضم حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، والحزب الديمقراطي الحر، وحزب الخضر. ولكن تحقيق ذلك لن يكون سهلاً: ففي حين أن الطرفين لن يكون لديهما الكثير من المتاعب للوصول إلى الحلول السياسية اللازمة، فإنهما يختلفان بشكل ملحوظ في عقلية الحكم وأسلوب القيادة.
وعلاوة على ذلك، من المرجح أن يطيل الجدول الزمني السياسي الداخلي محادثات الائتلاف. وسوف يصر قادة الحزب على موقفهم ويحاولون الحفظ على سمعتهم لدى دوائرهم الانتخابية، ولن يحدث الكثير حتى ما بعد الانتخابات في سكسونيا السفلى في 15 تشرين الأول (أكتوبر). وحتى ذلك الحين، لن يتم تشكيل حكومة جديدة بسرعة.
سيكون البديل الوحيد لائتلاف جامايكا هو حكومة أقلية تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي أو انتخابات جديدة في الربيع المقبل، والذي من شأنه أن يعزز موقف حزب البديل من أجل ألمانيا. وستكون كلتا النتيجتين سيئتان بالنسبة لألمانيا، التي ينظر إليها على نطاق واسع -ويعتمد عليها- كدعامة للاستقرار في أوروبا.
يعني هذا أن مستقبل الديمقراطية الألمانية والاستقرار الأوروبي سيعتمدان على ما إذا كان المنطق سيسود بين الأحزاب الصغيرة المتبقية. وتقع على أطراف جامايكا مسؤولية التخلي عن ميركل، والتوصل إلى حل توفيقي عند الضرورة لتشكيل حكومة. ونأمل أن يكون قادتهم أذكياء بما فيه الكفاية للعمل معا بحسن نية، بدلا من السعي فقط وراء ميزة حزبية ضيقة. ويمكن أن يتم ذلك من خلال جعل الأمن والإصلاح الاقتصادي، والتحديث الإيكولوجي والرقمي الركائز الثلاث لنوع جديد من التحالف.
أما بالنسبة لميركل، فمن شأن الفشل في تشكيل حكومة الأغلبية المستقرة أن يؤدي إلى نهاية مسؤوليتها كمستشارة. وعلى نطاق أوسع، يمكن لذلك أن يتسبب في فترة جديدة من الفوضى السياسية. ولا أحد سيرغب في حدوث ذلك في ألمانيا -ولا في أوربا.

*كان وزير خارجية ألمانية ونائب مستشارها من 1988 وحتى 2005، وهي مرحلة تميزت بدعم ألمانيا القوي لتدخل الناتو في كوسوفو في العام 1999، أعقبها معارضتها للحرب في العراق. دخل معترك السياسة الانتخابية بعد المشاركة في الاحتجاجات المناهضة للمؤسسة في الستينيات والسبعينيات، ولعب دورا رئيسيا في تأسيس حزب الخضر الألماني، والذي قادة قرابة العقدين.
*خاص بـ "الغد" ، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق