جميل النمري

الوزير والسياسي والموظف

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:09 صباحاً

كانت مناسبة أيضا للحديث عن المفاهيم المتعلقة بالمسؤولين ورجال الدولة والسياسيين، كما هي عليه في الاردن الذي يشهد ربما أكثر من أي بلد آخر أكبر كم من التداول على المناصب. تحدث د. مروان المعشر ود. علي المحافظة ود. محمد أبو رمان عن عدنان ابو عودة وكتابه الجديد "يوميات عدنان أبوعودة" في حفل إشهار الكتاب والخصوصية التي تميزه بين اهل السياسة والحكم ورجال الدولة في الاردن. وأجروا مقارنات مع المألوف من كتب المذكرات  لشخصيات أردنية لا تشفي الغليل في القاء الضوء على الأحداث وتحليل المواقف والآراء والتجاذبات وبيان الرأي السياسي والتقييم لمحطات سياسية مهمة من تاريخ البلاد، بعكس عدنان أبو عودة، اختلفت أم اتفقت معه، فقد كان مفكرا سياسيا اثناء وجوده في مواقع المسؤولية أو بعدها وانعكس ذلك في كتابه ليومياته.
لعل السر في أن رجال الدولة السياسيين بدأوا كموظفين وأصبحوا سياسيين أو يعرّفون كذلك بحكم تسلمهم مناصب حكومية رئيسية. رئيس الوزراء أو الوزير هو منصب سياسي بينما المنصب الإداري يتوقف عند وظيفة الأمين العام،  لكن الأمناء العامين يصبحون وزراء أو يتم استقدام شخص من خارج الوزارة كشخصية ادارية فنية ضمن الاختصاص. لكن بعد هذا التوزير الأول يصبح واردا استلام الرجل لأي وزارة فقد اكتسب الصفة السياسية ويمكنه اشغال أي وزارة لأن المنصب الوزاري منصب سياسي وليس فنيا.
ذات يوم كنا نرى في المنصب الوزاري انحدارا بالقائد السياسي الى رتبة "موظف" لكن هذا ارتبط بفكر ايديولوجي شمولي لتغيير العالم بينما الديمقراطية اكثر تواضعا بكثير ولا يستطيع القائد السياسي فيها ان يطمح بأكثر من تأثير ايجابي ما ضمن فترة التفويض الذي حصل عليه، وهو ليس حرا في ان يرسم للمجتمع المستقبل الذي في دماغه بل يدخل في تسويات مضنية مع القوى المؤثرة في الواقع القائم لاحداث اي قدر من التحسين. والبديل الوحيد للحكم الانقلابي الثوري الاستبدادي الذي يفرض أنموذجا قسريا على المجتمع هو التواضع امام الواقع والعمل ببرنامج واقعي مقبول من الناس لتحسين حياتهم.
المزاوجة بين الطابع التكنوقراطي والسياسي للمنصب الوزاري هو سمة الديمقراطيات الحديثة والصيغة الغالبة هي تحول السياسيين الذين تدرجوا وكبروا  في مدرسة العمل العام الحزبي والسياسي والبرلماني الى تكنوقراط بفعل ضرورات المنصب الحكومي بينما في الاردن يتحول التكنوقراط الى سياسيين بعد تسلم المنصب الحكومي وأنه استثناء يتم الحديث عنه ان يسند المنصب الوزاري الى سياسي، وعندما يحدث ذلك يحصل الصحفيون أخير على سند للحديث عما يعكسه التشكيل الجديد من  سمات وتوجهات، مع ان الداخلين في العادة لا يعرفون شيئا عن طبيعة التشكيل وخلفيته وتوجهاته، والوزراء اصلا، وهم في الغالب بدون خلفية سياسية، لا يعنيهم سوى تحدي المسؤولية داخل وزاراتهم.
الصفة المهنية البيروقراطية لا تنطبق طبعا على عدنان ابو عودة الذي بدأ مبكرا بالانتماء السياسي من المدرسة اولا مع التحريريين ثم الشيوعيين ثم في المخابرات ضابطا تم التقاط قدراته السياسية والفكرية ليصبح بصورة ما مستشارا سياسيا ثم وزيرا في الحكومة وفي البلاط الملكي، وهو في هذه المسيرة عانى من المشكلة الخالدة لازدواجية الولاء والانتماء الاردني الفلسطيني فهو كما قال، كان عند الفصائل الفلسطينية خائنا وفي الاوساط الشرق اردنية دخيلا طامعا، لكن اليوميات قد توضح ما كان في الحقيقة وفي عمق وعيه وقناعاته، ونترك للقارئ ان يستكشف ويقرر من اليوميات التي اعتبرها المتحدثون في الندوة حدثا نوعيا رائدا في كتابة مذكرات السياسيين في الاردن.

التعليق