عيسى الشعيبي

توم وجيري.. أميركا وإيران

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:04 صباحاً

أعادت تهديدات ايران المدوية للولايات المتحدة الاميركية، في الايام القليلة الماضية، وانذاراتها للدولة العظمى بالويل والثبور وعظائم الامور، الى الاذهان الغضة لعبة توم وجيري الممتعة للصغار والكبار، وبعثت في الذاكرة صورا لا حصر لها من مشاهد الكر والفر، بين العدوين اللدودين ابد الدهر، بين القط المدجج بالقوة الخارقة، والعدوانية المفرطة، وبين الفأر الضعيف الماكر المحتال، حيث الدهاء وسعة الخيال وحسن التدبير هو المنتصر لا محالة، على ما يرمز له القط من بأس شديد، وشر مستطير، بالنسبة لعالم الفئران المسالم المطارد المذعور.
على خلفية توجه واشنطن المعلن نحو اتخاذ قرار وشيك، بإدراج الحرس الثوري الايراني على قائمة الارهاب الاميركية، قامت قيامة ملالي ايران ولم تقعد، ضد وصم درة منظومة الجمهورية الاسلامية بأسوأ تهمة يمكن ان تلحق بدولة او منظمة ما، في عالم اتخذ من الحرب على الارهاب شعاراً له، وجعل من هذه التهمة الشنيعة وسيلة مشروعة، بل ومبرراً لا يعوزه الاجماع الدولي، لإنزال اشد العقوبات بعدو الحضارة البشرية الاول، تماماً على نحو ما دارت وتدور عليه الحرب الطاحنة ضد تنظيم داعش.
فمنذ ان تواترت الانباء، مؤخرا عن عزم واشنطن فرض عقوبات واسعة على "الحرس" اطلقت المدفعية الكلامية الايرانية رشقات متتابعة من التهديدات الطائشة على مراكز صنع القرار الاميركي، في كل من البيت الابيض والادارة والكونغرس والبنتاغون، وتعالت تحذيرات آيات الله المفوهين من مغبة القيام بمثل هذه الخطوة، التي ستقابل برد فعل "ساحق" وبوضع كل الخيارات على الطاولة، وبأفعال تتجاوز كل الخطوط الحمراء، ناهيك عن الطلب من الاميركيين إبعاد قواعدهم العسكرية في المنطقة مسافة 2000 كيلومتر عن الحدود الايرانية براً وبحراً.
ولا احسب ان دولة وجهت مثل هذه التهديدات الى دولة اخرى في العالم، على الاقل منذ الحرب العالمية الثانية، فما بالك اذا كانت هذه التهديدات موجهة الى اقوى قوة عسكرية عرفتها البشرية منذ فجر التاريخ، الامر الذي نسترجع صور الحرب الكرتونية المسلية بين توم وجيري على الشاشة الصغيرة، ولكن بصورة مفتقرة الى الظَرف هذه المرة، حيث يبدو جيري الايراني على مسرح السياسة الدولية المعاصرة، فأراً بلا خيال ولا حول ولا قوة، امام توم الاميركي، قطاً لا يجارى ولا يشق له غبار اذا وقعت الواقعة الكبرى.
ليس معلوماً الى من يُوجه هذه الخطاب الايراني الغاص بالمبالغات والتهويل والتبجح، هل هو الى الداخل المصاب بنرجسية التفوق الاقليمي، والمد المذهبي، والاعتداد بالأسلحة الصاروخية، ام الى الخارج العارف سلفاً بمحدودية القدرات الايرانية، وتواضع اسلحة طهران العسكرية، اذا ما قورنت بأحدث تكنولوجيا في حوزة الجيوش الاميركية؟. نسأل سؤال العارف، ونحن ندري ان طهران تعمد، بوعيدها وتهديدها، الى بث الخوف واثارة الهلع لدى جيرانها، بمثل هذه العنتريات المكشوفة، فهل تستقيم النبرة الكلامية الحادة مع الدولة العظمى الوحيدة؟.
ولولا ان ميزان القوى راجح بشدة لصالح اعتى قوة عسكرية على وجه الارض، بصورة لا تخطئها العين، لضربنا اخماساً في اسداس ونحن نضع ايدينا على قلوبنا جزعاً، وابدينا الخشية على الولايات المتحدة ازاء المصير الذي يتربص بها في نهاية هذه المواجهة، وقلنا "ارحم يا خامنئي" وترفق بالقوارير الاميركية، خصوصاً اذا عزم المرشد الاعلى فرض حصار على ميناء نيويورك وبوسطن مثلاً، او قر قراره على اخراج البنوك الاميركية من النظام المصرفي الدولي، او غير ذلك مما قد يتفتق عنه عقل المنتقم من عقوبات توجع اكبر اقتصاد في العالم.
في لعبة توم وجيري، التي تخاطب اطفالاً صغاراً بلا حوارات مملة، ولا تخضع سيناريوهاتها الى حبكة درامية، ولا تحض الا على مداعبة العواطف وتوسيع خيال الطفولة، تغدو المشاهدة مليئة بالمتعة البريئة والتسلية المفيدة، اما عندما تنقلب قواعد هذه اللعبة الى مهارشة بين طرفين غير متكافئين بالمطلق، وتنطلق التهديدات بكل هذه الرعونة والمجانية، يصبح المشهد مثيراً للسخرية السوداء، ومفعماً بالترهات والادعاءات، لا سيما اذا تذكرنا واقعة تدمير كامل الاسطول البحري الايراني، في اواخر حرب الخليج العام 1988، خلال يوم واحد، وقيل في ساعة فقط، على يد اميركا ما غيرها.

التعليق