د.أحمد جميل عزم

عادل عبدالكريم.. كان من العُقّال

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:03 صباحاً

اجتمعتُ على كأس شاي في شهر تموز (يوليو) الفائت مع مناضلين لبنانيين كانوا معاً قبل عشرات السنوات، في الثورة، وجنوب لبنان، ومع طلاب الجامعات الثوريين. سألتُ لماذا اخترتم التيار الوطني الفلسطيني، وتحديداً حركة "فتح" وأنتم لبنانيون ولم تدخلوا التنظيمات القومية واليسارية؟ وفاجأتني الإجابة، فقال المناضل المقيم أغلب أوقاته حاليّاً في فرنسا، والعامل في الزراعة؛ كانت "الفكرة الوطنية" المتسامية على الانتماءات الأيديولوجية والطائفية، وهذا ما نحتاجه في لبنان، إطارا يجمع الشتات الديني والفكري في حركة واحدة.
هذه هي الفكرة الوطنية التي لم تأخذ حقها بعد من التنظير والكتابة النظريّة.
في يوم 24 أيلول (سبتمبر) 2011، كنتُ أجلس مع مناضلين، أحدهما فلسطيني والثاني مصري تنقل منذ عشرات السنوات بين مواقع وعملّيات الثورة، في مقهى "نوفمبر" في رام الله. كُنّا في اليوم التالي لخطاب الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس في نيويورك لإعلان العزم على المطالبة بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وكانت فرقة العاشقين، غنت في ذات وقت الخطاب على دوار نابلس بحضور الآلاف الذين أغلقوا الشوارع المحيطة. وكان نقاشنا في "نوفمبر"، هو ما الذي يجب فعله في سياق الربيع العربي لعودة مكانة القضية الفلسطينية للشارع، كان الفلسطيني يقترح ضرورة طرح خطاب أممي جامع، والمصري يؤكد على الوطنية الفلسطينية. وهنا طرحت السؤال الذي طالما حيّرني: "من الذي صاغ فكر الثورة الفلسطيني الوطني، وخصوصاً فكرة العامل الذاتي وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، وفكرة الحلقات الثورية بدءا من النواة الصلبة، مروراً بحرب الشعب، والجبهة العربية المساندة، والحركة الفلسطينية الوجه، عربية الجسد، إنسانية الجذور؟ أخبراني سريعاً باسم كنت سمعته بشكل عابر "عادل عبدالكريم".
عندما خضت نقاشي أعلاه مع المناضلين اللبنانيين كان قد مضى على وفاة عبدالكريم أيام. وكنت لسنوات أمّني النفس بلقائه. والمتفق عليه أنّه يؤثر الصمت بعد خروجه من صفوف "التنظيم" نهاية الستينيات، واستقرَ لدّي خطأً أنه يعيش في ماليزيا.
عند وفاته نشر كُتّاب ما يعرفونه.
ساهم عبدالكريم، كما يُعتقد، بصياغة وثيقة أساسية هي "هيكل البناء الثوري" وهذه ثيقة يعتبرها كثير من المناضلين، نوعا من "السلام العقلي"، لأنّها ببساطة صنعت المعنى ووضعت خريطة الطريق، فجاءت عناوينها تتدرج من التشخيص والتحليل وصولا للتخطيط "أوضاع شعبنا المشرد، أسطورة الضمير العالمي، واقع الأعداء، خيبة الأمل، وقائع حياتنا، لابد ان نتحرك -؟ الثورة هي الحل – مَعنا كل الأحرار، ماذا نريد بثورتنا". وتبدأ الوثيقة على شكل نداء، بعبارة "أخي يا رفيق النضال". وبغض النظر عن مدى إسهام عبدالكريم بالوثيقة التي تتأثر بكثير من أفكار النضال العالمية، فيبدو أنّ إسهامه أساسي، مع أنه كان في بداية الثلاثينيات من عمره.
كان خريج كلية العلوم في جامعة دمشق، وبحسب الكاتب والسياسي الفلسطيني علي بدوان، كان ضمن مجموعة من أعضائها محمود عباس، تهدف لبدء نضال فلسطيني، ليعود ويلتقي مع فلسطينيين آخرين في الكويت، في الخمسينيات، حيث ذهب للتدريس، فأصبح من النواة الأولى في تأسيس "فتح"، وبحسب بدوان ربما هو من اقترح قلب الاسم من"حتف (اختصار حركة التحرير الفلسطيني) إلى "فتح". وكتب في مجلة فلسطيننا عن طبيعة العلاقات الثورية الداخلية. 
كان ضمن الفريق الذي رفض إطلاق الكفاح المسلح منتصف الستينيات، ويريد الانتظار أكثر، لحين الجاهزية الأكبر، وهو بحسب ما كتب بكر أبو بكر، من الفريق الذي سُمي باسم "العُقّال"، بعكس "المجانين" الذين أصروا على إطلاق الرصاصة الأولى مهما كانت أوضاعهم غير جاهزة، ومنهم ياسر عرفات. ويذكر بكر أنّه قابل عبدالكريم في الكويت في الثمانينيات ورفض الحديث عن تجربته.
ترك عبدالكريم التنظيم نهاية الستينيات، احتجاجاً فيما يبدو على ما رآه من ارتجالية وعدم انضباط، ويبقى هذا نوع من التخمين، وأكمل دراسته في الرياضيات وحصل على الدكتوراة وعاد للكويت، ثم ماليزيا، فالشارقة حيث توفي، وبحسب شهود عيان لم ينقطع الود مع قيادة الثورة التي كرمته في الكويت في الثمانينيات، وبقي يرفض المساس بالحركة التي أسهم في تأسيسها، وكما ينقل عنه "شرب من بئرها".
سيرته تستحق الوقوف لأنّه جزء ممن رموا بذاراً أينعت حتى لو ابتعدوا. وتجربة من ينجح في النضال ويكمل في العلم والأكاديميا.

التعليق