زرع الثقة بين الطفل ووالديه طريقة مثلى لحمايته من ‘‘التحرش‘‘

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

 تغريد السعايدة 

عمان - لا تدرك أم عمر الطريقة الصحيحة في تنبيه طفلها وتوعيته من أن أي تصرف قد يتعرض له، مثل "التحرش الجنسي" من قبل الغرباء، لانها تخشى أن يكون هذا التنبيه بداية لزراعة الخوف في نفسه مع مرور الوقت.
وتجيب أم عمر عند سؤالها عن كيفية توجيه أبنائها وإرشادهم بالتحدث في حال تعرضوا لـ "تحرش جنسي"، بانها تحاورهم بين الحين والآخر"، وتسألهم بطريقة غير مباشرة، إلا أنها تبقى خائفة دائما من هذا الموضوع الذي أصبح مؤرقا لديها مع تزايد انتشار الأخبار التي تتناول التحرش الجنسي للأطفال وبخاصة من "المقربين".
وأكثر ما يقلق أم عمر هو عدم حديث الأطفال عن خصوصياتهم أحيانا، وعدم تمييزهم بين الملاطفة المقبولة من المحيطين وبين التحرش الجنسي، بيد أنها تراقبهم وتحاول أن تنصحهم بأسلوب مقبول لديهم وسهل الاستيعاب.
فيما ترى، هبة، وهي أم لفتاتين وولد، أن مجرد التفكير في فكرة التحرش الجنسي هي فكرة مقلقة ومخيفة وتحاول دائما أن تطرد أي تفكير سلبي في هذه الفكرة "المؤرقة"، خاصة وأن إبنتها الكبرى وصلت من العمر "عشر سنوات" وتخشى عليها أن يتحول حرصها وسؤالها الدائم إلى خوف وامتناع عن الحديث عند حدوث أي "تحرش"، ومن الممكن أن تخشى من الكلام والمصارحة لوالدتها حول أي موقف.
لذلك، تكتفي هبة بمحاولة تنبيه أطفالها إلى عدم الاحتكاك والحديث مع أي شخص "غريب"، أو السماح له بالتقرب منهم أو لمسهم، إلا أن ما يخيف هبة على حد قولها هو ما تقرؤه من أخبار وحوادث دائما عبر مواقع التواصل الإجتماعي التي تنبه من الأشخاص المقربين ومن المحيط العائلي.
ويرى أولياء أمور أن الخوف من النظرة الإجتماعية للطفل الذي يتعرض للتحرش، وخاصة إن كانت فتاة، قد تكون سببا في إخفاء العديد من الحالات التي تحدث بشكل يومي، وفي عدة اشكال، وكثيرا ما يتم تداول هذه الأخبار بصورة غير دقيقة ومسجلة، لذلك قد تضيع الارقام الحقيقية بسبب الخوف من الحديث والتبليغ والشكوى ضد المعتدي، وبخاصة إن كان من "ذوي القربى".
وقد أشارت تقارير سابقة إلى أنه في العام 2010، تلقت حماية الأسرة في المملكة 572 شكوى بخصوص الإعتداء أو التحرش الجنسي بالأطفال، 319 أنثى، و253 من الذكور الأطفال.
لذلك، من الأهمية للوقاية من حوادث التحرش الخاصة بالأطفال، هو أن يعتاد الطفل على الحديث وتبليغ الأهل بما قد يحدث معه من أمر "غير مطمئن" وخارج عن المقبول، وأن لا يشعر بالخوف وان تكون لديه الجرأة للتحدث للمعنيين.
- ينبغي غرس مفاهيم سليمة لدى الطفل ليميز الخطأ من الصواب
وترى المديرة التنفيذية للارشاد والوعي الصحي في مدارس كينجز أكاديمي الاختصاصية ندى الدخيل أن نصيحتها الأولى هي للأهل، إذ يجب عليهم أن يبدأوا بغرس مفاهيم سليمة وواضحة لديهم والتطرق لموضوع التعرض للتحرش منذ سنوات عمرهم الأولى، ولكن لكل مرحلة عمرية طريقتها واسلوبها في الطرح على الطفل، حتى تصبح لديه ثقافة الحرص ومعرفة الأمور الخاصة به والمحرمة على الغرباء منذ أولى علامات وعيه الذهني.
وتضيف الدخيل أن كلمات الأهل للطفل التي تتضمن تشجيع له على البوح بكل شي يريد الحديث عنه هو أمر مهم، مثل أن نقول له "أحكي عن خوفك، أحكي ولا تخاف نحن معم.. نحن مصدقينك"، وغيرها من الكلمات التي تعطي الطفل دافعا للحديث والبوح، والتي من شأنها أن تساهم في كشف أي اثر نفسي أو جسدي على الطفل ومعالجة الأمر، أي أن زرع الثقة بين الطفل ووالديه هي الطريقة الأولى لحماية الأبناء من التحرش والجرأة للحديث، وهي الجرأة بذكاء" على حد تعبيرها.
- تعليم الطفل ان عائلته هي الجهة الآمنة التي يمكن أن يلجأ لها
كما تؤكد الدخيل أن الطفل مع مرور الوقت ومع وجود هذه الخلفية المعرفية لديه حول ما هو غير مقبول، عندما يتعرض لموقف من شخص راشد وبالغ، أو من أقرانه، ويصبح قادرا على التوجه للأم مثلاً واخبارها بما حدث معه من موقف بكل راحة وطمأنينة. ويدرك الطفل حينها أن عائلته هي الجهة الآمنة التي يمكن أن يتوجه لها للحديث، مع العلم أن ردة فعل الأهل الأولى على أي موقف يحدث للطفل سيكون لها تأثير مباشر على ما يحدث معه فيما بعد.
وتشدد الدخيل على الأهل بضرورة تصديق إحساس الطفل، فالطفل مع وجود ثقافة لديه منذ الصغر تنمو بالتدرج مع نمو عقله وتفكيره، يصبح قادرا على معرفة إحساسه والحديث عنه للأهل "بوجود الثقة" وأن نتيقن أن إحساس الطفل هو صادق و"في محله".
- الحديث للطفل عن أجزاء جسده المحرمة على الآخرين يكون منذ الصغر
وبحسب الدخيل، فان الحديث للطفل عن أجزاء جسمه الخاصة به والمحرمة على الآخرين يجب أن يكون منذ الصغر والتأكيد عليه أن تلك أمور خاصة به وحده، ولا يجب أن يطلع عليها أحد سوى "الأشخاص الثقة" مثل الأم والأب او أي شخص تقول عنه الأم مثلاً، وهذا يكون بالتزامن مع ثقافة الأهل التي توجه للطفل وكذلك بناء على ثقة الأهل بهؤلاء الأشخاص الذين يثق بهم الطفل.
ومع مرور الوقت، يصبح الطفل قادرا على التمييز بين الخطأ والصواب، والملاطفة والتحرش، ولكن الأهم كما تقول الدخيل هو أن لا نمنع الطفل من الحديث بهذا الأمر أو منعه من الشكوى لأي جهة يريدها حتى لا يتم قمعه وتخويفه في المرات القادمة، بل على العكس نشجعه على الحديث بكل قوة وحق.
- أي سلوك يتشربه الطفل من عائلته المقربة منه
والمسألة برمتها تتعلق بالعلاقات العائلية والمجتمعية بشكل عام، لذا يعتقد اختصاصي علم الإجتماع الدكتور سري ناصر أن أي تربية أو سلوك يأخذه الطفل من العائلة المقربة منه، والوالدين هما من يقومان بتوعية الطفل لما قد يحدث معه من أحداث يومية، لذلك عليه أن يعتاد التحدث عنها بكل سلاسة مع الوالدين، وهما من يعلمانه كيفية التعامل مع الأشخاص الغرباء.
ولا ينفي ناصر أهمية أن يكون الطفل "مُطلعا" على المجتمع الكبير بتفاصيله المختلفة كون ذلك جزءا من حياته اليومية التي سيعتاد ويكبر عليها، خاصة وان المجتمع بما يحتويه من فئات مختلفة سيكون له دور في تحديد الكثير من الآراء والخلفيات عن المحيطين به وكيفية التعامل معهم واستشعار الوقت الذي يمكن أن يخاف فيه من أي أحد من المحيط.
- توجيه النصح للطفل دون المبالغة بالخوف من الآخرين
بيد أن ناصر يرى أن الأهل يجب أن يكونوا معتدلين في توجيه الأطفال حول أي تصرف خارجي من المجتمع، خاصة أن المجتمعات المحلية الآن أصبحت متقاربة ومفتوحة بكافة الأشكال، لذلك ينبغي ان لا يكون الخوف مبالغا به من الآخرين، وأن تتغير طريقة حديث الأهل مع الأطفال حول أي قضية تمسهم.
الاختصاصية والاستشارية النفسية الدكتور علا اللامي ترى أن الطمأنينة التي يجب أن توفرها الأسرة للطفل هي اللبنة الأولى التي تساعد الطفل على الحديث والبوح بكل ما يحدث معه من أمور، وعلى الأم أن تدخل في موضوع التوعية الجنسية للطفل من خلال القصص التي ممكن أن تحكيها له بطريقة عفوية وليس من باب التنبيه بطريقة مرعبة تخيف الطفل.
- الحماية والتوعية والتشجيع على الحديث ينبغي أن يكون أسلوب حياة
وتعتقد اللامي ان الحماية والتوعية والتشجيع على الحديث يجب أن يكون أسلوب حياة في الأسرة وليس آنيا بحسب الحالة التي يمر فيها الطفل؛ كما أن الطلب من الطفل عدم الجلوس مع أشخاص بشكل منفرد أو عدم السماح للأشخاص أن يمسكوا أو يشاهدوا مناطقهم الحساسة يجعل الطفل يتعلم أن أي تصرف مخالف لما تعلمه من اهله هو أمر خاطئ ولا تقبله الأم أو الأهل بشكل عام، فيقوم بعد ذلك باخبار ولي الأمر بما حدث له، ولو بطريقة عفوية وهذه الخطوة الي يجب أن يصب لها الطفل مع مرور الوقت.
وتؤكد اللامي ان على الوالدين ادراك الأسلوب والطريقة الصحيحة التي يجب أن يقوموا بها لتوعية الطفل.

التعليق