"طاهر العدوان" .. وأوفياء كثيرون

تم نشره في السبت 14 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

كلما اندلعت في السرّ والعلن قصة “الأردني والفلسطيني”، والأصول والمنابت، والوحدات والفيصلي، “والرقم الوطني”، تساءلتُ بيني وبيني: هل يعرف “الأردنيون من أصل فلسطيني”، وتحديداً جيل الشبّان منهم، أن هناك شريحة عريضة أخرى من المواطنين يمثلون التسمية بشكلها الآخر؟ أقصد الذين عاشوا تاريخاً طويلاً على الصعيدين الشخصي والعام كفلسطينيين من أصل أردني؟!
هل يعرف الجيل الشابّ المناضلين الذين أهدوا أعمارهم كاملة لفلسطين وقضيتها مثل نايف حواتمة وطاهر العدوان ومشهور حديثة وأبو الحكم الروسان ونزيه أبو نضال وتيريز هلسة وغانم زريقات وخديجة الحباشنة ومئات آخرين كانوا من رجالات الصف الأول. فضلاً عن عشرات الآلاف من المقاتلين والشهداء ومنهم أحمد المجالي الذي غنّت له فرقة بلدنا حين استشهد في حصار بيروت “ هذي فلسطينك إلك .. هي إلك .. مثل صدر أمك والكرك”.
هل يعرف الشباب الذين اقتربوا من طاهر العدوان، ان هذا الرجل الهادئ جداً، الصامت جداً، كان يقف على رأس أعلى الإذاعات صوتاً في التاريخ وأكثرها ثورية، حين كان مدير إذاعة الثورة في حصار بيروت. المرحلة الأكثر تراجيدية وملحمية في تاريخ شعبنا وقضيته. وان ابو الحكم الروسان كان رئيس القضاء الثوري ومحاكم الثورة، وان مشهور حديثة الجازي كان من قيادات غرفة عمليات الحصار المجيد.
أكتب هذه الأسماء، كأمثلة رفيعة الشأن، وأعرف أن هناك مئات الأسماء لا أعرفها لأنني من الجيل الوسيط الذي لم يطلع على “كل شيء”. لكنني أكتب أيضاً من أجل جيل شابّ لا يعرف شيئاً بالمرَّة عن الموضوع .. وعليه أن يعرف. وحين يعرف عليه أن يشكر، وأن يَحترم، وأن يُقدّر وأن يكون ممتنَّاً.
وأن نتذكر دائماً أن هذه الأسماء التي لم تحظ، أغلبها، بتقدير المؤسسة الرسمية الفلسطينية، عليها أن تحظى على الأقل بتقدير الشعب وتقدير الشارع.
وأن نعرف أن هناك من يمكن تسميتهم بالمقابل “فلسطينيين من أصل أردني” منحوا أعمارهم لقضية شعبنا، ونذروا حياتهم في أوقات حرجة وصعبة، وذهبوا في زمنٍ ما ضد التيار، وجابهوا اتجاهاً مناوئاً وقاسياً، ودفعوا أثماناً باهظة. كلّ ذلك لأنهم آمنوا (أكثر من غيرهم ) بعدالة القضية وحتمية الوقوف في وسطها وليس إلى جانبها وحسب.
على الصعيد الشخصي، عرفت العدوان، وأبو نضال، والراحل مشهور حديثة، ولا أبالغ حين أقول بأن هؤلاء الرجال من النماذج النادرة الحدوث في التاريخ. ليس لأنهم وقفوا في هذا الخندق تحديداً، بل لأنهم تمتعوا بكيمياء بشرية نادرة، وتحدّروا من معدنٍ لا يمكن وصفه، ولديهم من نكران الذات والقدرة على البذل والعطاء ما ليس لدى الناس العاديين.
ثمة آخرون وقفوا “بجانب” القضية العادلة في ذروة علوّها وانتصارها، أفادوها واستفادوا منها، وحين وهنت، ونال منها الزمان، استداروا برشاقة، ونقلوا البندقية الى الكتف الأخرى، لكن الأوفياء بقوا أوفياء للملاحم والخنادق والدماء حتى حين انفضّ بعض أهلها عنها !
وعلينا أن نكون أوفياء بالمقابل، وأن نردّ الدَين ولو بالقليل القليل، بأن نقدّر ونشكر وأن نرى شارعاً باسم طاهر العدوان في رام الله أو ميداناً باسم مشهور حديثة الجازي في نابلس أو الخليل!
أو على الأقلّ أن نخجل قليلاً حين يُقال “هذا أردني وهذا فلسطيني”.

التعليق