بذور الانفصال بين المقدس والمدنس

تم نشره في السبت 14 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:05 صباحاً

قد يبدو مفاجئا ذلك الجنوح الى الانفصال الذي يجتاح بقعا جغرافية مختلفة من العالم وكأن هذا العالم الذي اعتقدنا في فترة زمنية ما أنه اصبح عالم الكيانات الكبيرة القادرة على الحياة والاستئثار بالمكاسب الاقتصادية والهيمنة العسكرية قد بدأ بالتشظي والعودة عميقا في التاريخ الى مجتمعات ما قبل المدنية.
النزعات الانفصالية ليست وليدة اللحظة ولا بدعة ابتدعها الكاتالان او الكرد او احفاد "وليام والاس"، فكتب التاريخ مليئة بقصص تفكيك الدول والحضارات، وإعادة بنائها على أسس اثنيه ودينية وهوياتية، فكثير من الشعوب ترى انها لم تكن صاحبة قرار في شكل الكيانات السياسية التى وجدت نفسها ضمن مكوناتها نتيجة اختلال موازين القوى في لحظة تاريخية ما جعلت منهم مكونا في خليط قد لا يجمعهم به الكثير من القواسم المشتركة.
 وإذا ما كانت النزعة الانفصالية مفهومة في بعض الدول التي عانت فيها الأقليات من التهميش والظلم ومن استئثار الأكثرية بالثروة والحكم فإن هذه النزعة قد تكون مستغربة في دول تتمتع او تدّعي التمتع بثقافة المواطنة والعدالة والمساواة مثل اسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة او غيرها من الدول التي تنشط فيها الحركات الانفصالية وإن بدرجات متفاوتة.
خلف النَزَعات الانفصالية تكمن أسباب كثيرة منها الايديولوجي او الهوياتي ومنها الاجتماعي والاقتصادي، ويصعب الفصل بين هذه الأسباب لارتباطها الوثيق ببعضها بعضا او لاستخدامها بصورة تبادلية من قبل دعاة الانفصال للعزف على الاوتار الحساسة لمواطنيها لضمان كسب تأييد اوسع وضم شرائح جديدة الى جانب الانفصال.
أسباب الانفصال منها المقدس ومنها المدنس، فالقيم المقدسة هي تلك التي لا تخضع للمساومة او المحاكمة العقلانية، وهي قيم ثابتة يكون الإنسان مستعدا للدفاع عنها بغض النظر عن مبدأ الربح والخسارة، وتغذيها من حين لآخر بعض المكاسب الاقتصادية والحقوقية، وهي التي تخضع للمساومة بين الفرقاء.
يخطئ الكثيرون عندما يحاولون حصر مشكلة النزعات الانفصالية للاقليات بالسعي لتحقيق مكاسب اقتصادية او حتى سياسية محدودة يمكن التفاوض حولها، فهناك قضايا تقترب من القداسة مثل الاعتزاز القومي والحفاظ على الهوية وحق تقرير المصير، وعدم الشعور بالدونية، غير قابلة للتفاوض او الاستبدال.
اعتقد البعض ان النزعات الانفصالية مقصورة على شعوب او ايديولوجيات دون اخرى فما جرى من تفكك للمعسكر الشرقي في نهاية القرن الماضي يجري استنساخه الان في المعسكر الرأسمالي الذي ظن البعض انه بديموقراطيته وعدالته المزعومة والرفاه الاقتصادي الذي يوفره لشعوبه بمنأى عن تسونامي التفكك والانشطار، لكن الاحداث الاخيرة في اسبانيا وغيرها أظهرت ان هذه الدول تعوم على براكين راكدة لا تدري متى تثور.
غالبا ما يركز دعاة الانفصال لكسب تأييد مواطنيهم على الموروث التاريخي للاضطهاد الذي تعرضوا له وذلك لاستنهاض الروح القومية لديهم في وجه اي محاكمة عقلانية للموضوع، لذلك نرى الفشل الذريع الذي منيت به معظم الكيانات المتشظية مثل جنوب السودان وتيمور وقبرص وغيرها، والتي انتجت دولا فاشلة وكيانات مشوهة وغير قابلة للحياة.
لن يعدم دعاة الانفصال في معظم الدول قبسا مقدسا يستخرجونه من أعماق التاريخ ليعزز قضيتهم، كما لن يكون صعبا ان يمدوه بالوقود المدنس الذي توفره لهم مصاعب الحاضر وأزماته. لكن السؤال الملح هنا هل يمكن إيقاف ذرة بعد ان تبدأ جنون الانشطار؟ وما الذي يضمن أن الذرة التي تقبل القسمة على اثنين لن تقبل القسمة على أكثر من ذلك في المستقبل!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بذمر الانفصال .... (عايدة النجار)

    الأحد 15 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
    فيه فكر عميق . الدكتور عاصم يكتب في كل المواضيع بقلم مثقف واسع الاطلاع .. تحياتي له .
  • »عوده العبوديه (خليل زقلام)

    السبت 14 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
    القرن الماضي كان عنوان لسقوط الشيوعيه وانها نظام لا يصلح لانشاء كيانات سياسيه يقودها العمال والفلاحين يبدو ان القرن الحالي هو بدايه سقوط النظام الراس المالي والذي ثبت ايضا فشله بتسلط فئه قليله وعودت الاقطاع وانحسار الثروات وتفشي البطاله والفقر وعوده العبوديه ولكن بشكل اخر غير الذي عرفته البشريه في السابق