قرارات الأهل المستبدة ‘‘ تدمر‘‘ الحياة الزوجية لمكفوفين

تم نشره في الاثنين 16 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • مكفوفون يشعرون بالأسى من عائلاتهم التي تتحكم بقراراتهم - (أرشيفية)

ربى الرياحي

عمان - يشعر مكفوفون بالأسى من عائلاتهم الذين يصرون على التحكم بمحطات حياتهم وكل قراراتهم صغيرة كانت أم كبيرة، سامحين لأنفسهم برسم مستقبلهم، دون الوقوف عند رغباتهم أو الإحساس بها.
يتجاهلون احتياجات الابن النفسية والعاطفية، مع التركيز في المقابل على بعض التفاصيل السطحية التي تعنيهم وحدهم، والتي تعتبر من وجهة نظرهم حماية من الوقوع في الخطأ أو حتى تحمل تبعات إضافية جراء اتخاذه لقرارات لا تناسبه تؤثر عليه بشكل أو بآخر وتزيد من متاعبه.
ويظهر ذلك جليا عندما يقرر الشاب الكفيف الزواج، فتبدأ أسرته بفرض القيود عليه والتدخل في اختياراته بدون أن تفكر أن في ذلك مصادرة فعلية لحريته ولحقه في تقرير مصيره.
أحمد حسن شاب كفيف يعيش حياة متعبة مشحونة بالمشاكل الزوجية فقط لأنه رضخ لقرار أهله المستبد، يقول كم هو صعب ومؤلم وقاسٍ أن يعيش الشخص حياة ليست من اختياره لا ترضي أبدا تطلعاته واحتياجه للاستقرار النفسي والاجتماعي، يغيب عنها التوافق الفكري والإنساني.
ويضيف أن الأهل في كثير من الأحيان يتدخلون في حياة أبنائهم ويجنون عليهم بدافع الحب، لكنهم في المقابل يجهلون خطورة تصرفهم هذا والنتائج السلبية المترتبة عليه.
ويشرح ما حصل معه عندما قرر الزواج من فتاة أحبها مدة سنتين، وبعد أن صارح عائلته برغبته الجادة في تكوين حياة أسرية مستقرة معها، جوبه على الفور بالرفض وكان السبب وراء اعتراضهم هو أنها كفيفة، وأن ذلك سيكون صعبا، إن لم يكن مستحيلا، لأنهم يرون أن زواجه بفتاة كفيفة يضاعف من أعبائه الحياتية ويجعل الأمور أكثر تعقيدا.
ويتابع أن أسلحة كثيرة استخدمت ضده على كل الجبهات، فما كان منه إلا أن أستسلم ورضخ لقرارهم “الجائر المستبد الذي يتجاوز كل الأحاسيس الصادقة التي يحملها في داخله”، وتم إرغامه على الزواج بفتاة من اختيارهم تستطيع من وجهة نظرهم القاصرة مساعدته وتذليل العقبات أمامه.
لكن ما حدث هو العكس؛ لقد حاصرته المشكلات من جميع الاتجاهات حتى استنفدت قوته وحرمته من أن يعيش حياة سوية، وشعر بالنقص والإهانة والتذمر التي تتسلل إلى روحه كل يوم وليس لها مبرر سوى أن زوجته التي اختارتها له أمه بدأت تشعر بالندم، وبأنها تسرعت في الموافقة عليه فكانت النتيجة هي أنه أصبح مضطرا لتحمل كل الضغوط النفسية في سبيل إنقاذ زواجه حتى لا يخسر أكثر.
أما أيمن محمود وهو أيضا شاب كفيف عانى كثيرا بسبب قرار أهله المجحف، يقول نخسر الكثير من سعادتنا وحريتنا عندما نوافق ضمنيا على ذلك التدخل المتعمد في حياتنا، والذي من شأنه أن يلغي شخصيتنا وحقنا في التعبير عن رأينا في أكثر الأمور حساسية، بالنسبة لنا وهو الزواج.
ويبين أن الضغوطات التي يمارسها الأهل ضد قناعاتهم، “بأنهم أحرص الناس على مصلحتنا وتجاوز مرغمين فكرة أننا وحدنا القادرون على فهم مشاعرنا ورغباتنا”.
ويضيف “قيود وقرارات مستبدة تلك التي جعلتني أفتقد للاتزان في حياتي الأسرية وجمدت أحاسيسي أغرقتني أكثر  في الهموم وسلبتني متعة الاستقرار، وسبب ذلك كله هو أنني تزوجت بفتاة  تمتلك حاسة البصر لكن في المقابل ينقصها الكثير من اللباقة والإحساس”.
ويبين انها كانت تتعمد دائما تذكيره بأنها المسؤولة عن كل شيء، وبأن حياتها معه عبارة عن جحيم مع اختلاق المشكلات التي من شأنها أن تجعل الحياة مستحيلة بينهم وتؤثر سلبا على نفسية أطفالهم الثلاثة، وهو ما دفعه إلى إنهاء علاقته بها ووضع حد لكل الآلام التي سكنت روحه، والبحث ثانيةً عن فتاة أخرى يختارها هو، وتستطيع أن تحتويه وتعوضه عن تلك السنوات القاسية المتعبة التي فرضت عليه.
ويقول محسن عبد الكريم منتقدا استسلام بعض المكفوفين لقرارات أهلهم التي تحرمهم من أن يختاروا ما يناسبهم وينسجم مع تفكيرهم، خطأ كبير بحقهم، خصوصا بموضوع مصيري كالزواج سامحين لهم بأن يرسموا الحياة كيفما شاءوا وفقا لأهوائهم. ويضيف “ما يكفينا ان نفهم احتياجاتنا والمعايير التي نرغب في أن تتوفر في شريكة العمر ومن ثم تحملنا لكل النتائج المترتبة على قرارنا”.
ويبين أن هناك قصصا كثيرة نسمع عنها اليوم فشلت بسبب تعنت الأهل برأيهم بدون أن يكترثوا حتى بأن رأيهم هذا فيه تقليل لقدرات ابنهم الكفيف، واعتباره غير قادر على تسيير أموره الأسرية، الأمر الذي يدفعهم للبحث له عن زوجة تتولى هي المسؤولية بالكامل.
ويبين رفضي لسياسة الأهل هذه يأتي من التشكيك بأنني أمتلك كل المؤهلات التي تضمن لي على الأقل أن أعيش بسعادة واستقرار، مع الاعتراف بوجود صعوبات من الممكن جدا أن تعيق وتربك المخططات بعض الشيء، لكن هذا بالطبع لا يعني أبدا “أننا أخطأنا  لمجرد أننا أرضينا مشاعرنا واخترنا الأقرب لشخصيتنا بعيدا عن أي اعتبارات أخرى”.
ويؤكد على الأهل أن يفهموا نقطة مهمة جدا تتلخص في عدم تقييد ابنهم فقط بالزواج من فتاة مبصرة، لأن في ذلك تجاهلا واضحا لرغباته النفسية والعاطفية وإعطائه الحرية الكاملة ليختار وفق معاييره هو فقط.
ومن جهته يقول الاختصاصي الاجتماعي د.حسين الخزاعي أن الزواج  يجب أن يتم بالإيجاب والقبول ولا يجوز أبدا في أي حال من الأحوال فرض الزوج والزوجة على بعضهم البعض لما في ذلك من ضرر لكلا الطرفين.
ويضيف الأصل في الزواج أن يكون مبنيا على الرضا والتقبل والتفاهم حتى يتحقق الاستقرار بين الأزواج جميعا، وينطبق ذلك أيضا على الأشخاص المكفوفين الذين يتساوون حتما مع غيرهم في الحقوق، وخاصة فيما يتعلق بمسألة الزواج. ويقول من الخطأ أن يفرض الأهل على أبنائهم المكفوفين فتاة بعينها؛ لأن في ذلك إلغاء لحقهم في الاختيار، الأمر الذي قد يسبب في أغلب الأحيان مشكلات كبيرة من الصعب حلها تقود في النهاية إلى التفكك الأسري وانعدام الثقة.
ويقول الاختصاصي النفسي د.موسى مطارنة إن المكفوف إنسان يملك جميع قدرات ومهارات المبصر، وينقصه فقط البصر ومنحه الله قدره عالية في حواسه الأخرى تعويضا عن البصر.
لذلك من حقه أن يعيش حياه طبيعية، ويتمتع بقرارته وحريته الشخصية، وليس من حق إي كان أن يسلبه حقه باختيار الزوجة التي ينسجم معها نفسيا وذهنيا وعاطفيا، لكي يحقق حالة من التكامل والنجاح وممارسة حقه الطبيعي بالحياة.
كما أن الكفيفة اقدر على فهم الكفيف من غيرها لأنها تعيش نفس الحالة. اما مواصفات زوجة الكفيف فطبيعي ان يكون بينهم انسجام فكري وعاطفي ونفسي. وليس بالضرورة أن من تزوج من مبصرة يكون اوﻻده مبصرين او من كفيفة ان يكون اوﻻده كفيفين، فالأمر يتعلق بالجينات والجانب الوراثي، لكن الأساس أن يفهم كل طرف متطلبات الآخر.

التعليق