كيف نسدد مديونية الأفراد؟ الحل في النمو الاقتصادي

تم نشره في الاثنين 16 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

د. جمال الحمصي*

يصعب على أي مختص في علم الاقتصاد أن يستمر بتجنب الإدلاء برأيه بخصوص أفضل سبل التعامل مع تحدي المالية العامة في المملكة، سيما وأن هذا التحدي هام ومتجدد، وينعكس على معيشة الأفراد وتنافسية الشركات وتحقيق التوازن المالي الكلي.
وللتذكير، فإن لتحدي المالية العامة في المملكة شقين توأمين هما : بقاء عجز الموازنة العامة أعلى من 3 % من الناتج المحلي الاجمالي رغم استمرار تنفيذ برامج واجراءات الاصلاح المالي، من ناحية، وتفاقم اجمالي المديونية العامة (وليس صافيها) لتصل إلى حدود 95 % من الناتج، مقابل 89 % من الناتج لصافي الدين العام وبالمقارنة مع نسبة 60-80 % من الناتج كسقف دولي معياري ومستهدف.
بداية؛ لابد من التنويه إلى انه ليس من الحكمة الاكتفاء بتفسير (أو تبرير) ارتفاع المديونية العامة بعوامل هامة مثل الصدمات الخارجية السلبية أو الظروف الأولية غير المواتية كندرة موارد الطاقة التقليدية، فهذه المحددات على أهميتها يمكن أيضا ان تستخدم لتبرير الحاجة الى سياسات اقتصادية ومالية أفضل من الماضي.
كما لابد من الاشارة إلى أن تحدي العجز المالي لا يقتصر على القطاع العام، فمديونية الافراد حسب تقرير الاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي الأردني 2016 هي أيضا عالية وتبلغ نحو 10 مليارات دينار في نهاية 2016 نصفها تقريبا قروض سكنية.
ومديونية الأفراد هي كذلك في تزايد مضطرد، وارتفعت من %54  من اجمالي دخل الأفراد في نهاية العام 2010  إلى 69 % في نهاية العام 2016.
هذه الاحصاءات الرسمية الأخيرة تظهر أهمية البحث عن خيارات السياسة الاقتصادية والمالية التي تخفض المديونية العامة دون زيادة مديونية الأفراد والشركات ودون احداث تثبيطات سلبية على الانتاج وفقا لمبادئ اقتصاديات جانب العرض.
اذن سؤال المليون دينار هو كيف نعالج مشكلة مديونية المملكة بشقيها العامة والخاصة دون الاساءة إلى مكونات الطلب والعرض الكلي ودون تثبيط معدلات النمو الاقتصادي الضعيفة أصلا (بحدود %2  خلال النصف الأول 2017)؟
الاجابة الشافية والتفصيلية ليست يسيرة وتتطلب جهدا مؤسسيا عالي المستوى وعالي التنسيق، لا ينحصر في وزارة المالية.
وكبداية، يمكن البناء على أوراق عمل اقتصادية يعدها فريق خبراء من القطاع العام، أو يشرفوا على اعدادها من خلال التعاون مع مؤسسات دولية مختارة أو يفضل من خلال مناقصة مفتوحة للقطاع الاستشاري المحلي والدولي. على أن يعقب اعداد أوراق العمل حوار سياسات معمق بين كبار الفنيين والإداريين في القطاع العام والخاص والجامعي، وبمشاركة ممثلي البرلمان.
لكن هذا كله –البعض سيعتبره ترفا في ضوء موعد قانون موازنة العام 2018- لا يمنع من تقديم رأي فردي سريع على مستوى غير تفصيلي.
بصورة عامة، وفي ضوء عدم مرونة معظم بنود الانفاق الجاري في المملكة نحو التخفيض في الأجل القصير والمتوسط، يقول لنا علم الاقتصاد انه يمكن زيادة الإيرادات المحلية للموازنة العامة بثلاث طرق رئيسية: أولها زيادة معدل الضريبة المفروض حسب التشريعات (على الدخل أو المبيعات أو الصادرات مثلا)، وثانيهما زيادة القاعدة الضريبية (بمعنى تعزيز وتيرة النشاط والنمو الاقتصادي واتساعه وبالتالي مستوى الدخل الخاضع للضريبة)، وثالثهما تحسين كفاءة التحصيل الضريبي من خلال ترشيد الاعفاءات الضريبية والتشديد على التهرب والتجنب الضريبي المتكرر، خصوصا لكبار المكلفين ومع استهداف الضريبة الأكبر حصة ضمن الايرادات الضريبية.
قد يكون الحل الأمثل في الأجل القصير هو تشكيلة مرجحة من الخيارات الثلاثة أعلاه مع اعطاء ترجيح اجمالي أقل للخيار الأول منعا لارتفاع الأسعار ولتآكل القوة الشرائية بالتالي انكماش القاعدة الضريبية.
لكن أفضل السبل وأكثرها أولوية واستدامة في الأجلين المتوسط والطويل لعلاج تحديات ومشكلات عديدة هو برأيي في تبني الخيار الثاني (أي تحفيز النمو المستدام) كأولوية ملحة وليس كخيار ترفيهي يترك للاجل الطويل.
فهذا الخيار يأخذ بالاعتبار تحديات وتعقيد الواقع الاقتصادي الراهن، كتفاقم الدين العام والخاص، وتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي (يصنف الاردن مؤخرا ضمن فئة الدول ذات الدخل المتوسط الأدنى حسب البنك الدولي)، وارتفاع معدلات البطالة ووتائر تصفية الشركات وتدني دخلها الخاضع للضريبة، وتنامي قيمة الشيكات المرتجعة ونسب حجز الشقق وأعداد المطلوبين للمحاكم وللتنفيذ القضائي بسبب عدم سداد ديون البنوك.
خيار تحفيز النمو يتطلب توسيع الكعكة الاقتصادية لمختلف القطاعات، اي لقطاع الأسر ولقطاع الأعمال وللقطاع العام، وليس البحث في سبل اعادة توزيع الكعكة الكلية لصالح المالية العامة على حساب مالية الشركات أو مالية الأفراد، وما يتضمنه من تداعيات سلبية غير متوخاة أو غير متوقعة- حتى على الايرادات الضريبية في الاجل المتوسط فصاعداً.
هذا يقتضي تنفيذ إجراءات ذات أولوية ضمن رؤية الأردن 2025 وخطة تحفيز النمو الاقتصادي الأردني الخمسية.
في الأجل المتوسط والطويل، فان تحفيز معدلات النمو المستدام والشامل مع تحسن الظروف الاقليمية سيساهم في تحسين مستوى معيشة الفئات الأقل دخلا والطبقة الوسطى، وسيعمل على توسيع فرص الحصول على الدخل (الخاضع للضريبة) وبالتالي زيادة الإيرادات الضريبية، وسيساهم تلقائياً في علاج مشكلة التهرب الضريبي دون ارهاق مؤسسات تنفيذ القانون ومالية غير القادرين على الدفع ودون تعزيز التوجه نحو الاقتصاد غير الرسمي.
 ولضمان هذه النتيجة الاجمالية، لابد من اعادة النظر في الأولويات الاقتصادية وتحسين انتاجية وبرامج الوزارات والمؤسسات العامة المعنية بهدف النمو الاقتصادي الاجمالي والقطاعي.
 فالاجابة الشافية تبدأ بتحديد المعوقات الأساسية للنمو الاقتصادي Binding Constraints وتمر بحوكمة اقتصادية أفضل لتنفيذ وتنسيق سياسات النمو الاقتصادي وتنتهي بنظام فعال للمراجعة والتقييم والمساءلة.
وعلى المستوى المؤسسي الداعم لانتاجية ومرونة الاقتصاد الأردني بصورة عامة، يُقترح السعي لتحسين كفاءة الانفاق العام من خلال تطبيق صارم للموازنة الموجهة بالنتائج، الى جانب مراجعة الاجراءات الرقابية والتحفيزية والتشريعية بغية تحسين بيئة الأعمال، وتيسير اجراءات المتآخرات الضريبية على صغار المكلفين (بمن فيهم أصحاب المشاريع الصغيرة) واعفاء غراماتها.
كما يقترح إعادة النظر في الحوافز الضريبية الاستثمارية المعممة والدائمة وغير الفعالة في توفير نشاط اضافي في قطاع الأعمال (بما فيها حوافز الاستثمار والصادرات)، واستبدالها بحوافز مؤقتة وأكثر فعالية واستهدافاً ومشروطة بأداء أفضل من قبل قطاع الأعمال ؛ هذا سيجعل الترابط بين النمو الاقتصادي والإيرادات المحلية أكثر قوة وتزامنا.
كما من الضروري النظر في سبل تحسين كفاءة الوساطة المالية للبنوك والصناديق المالية والاستثمارية والتقاعدية والنظام المالي عموما، ومراجعة أسس ادارة المنح الخارجية والسعي تحسين كفاءة انفاقها مما يوسع من "المجال المالي Fiscal Space" المتاح للدولة والمحقق للنمو التشاركي والمستدام دون الاضرار بالاستقرار المالي.
المطلوب اذن نمو حقيقي أسرع على مستوى كلي، وعلى مستوى كل قطاع رئيسي، مع اعطاء اولوية لقطاعات واعدة ومستهدفة ذات انتاجية أعلى ومردود سريع وعريض على الاقتصاد الأردني، ومن خلال احداث "دفعة قوية" في تنفيذ وتنسيق السياسات الداعمة للنمو في القطاعات ذات الاولوية، بما فيها السياسة الاستثمارية والتجارية والصناعية والمالية والنقدية.
* خبير اقتصادي

التعليق