د. جاسم الشمري

كركوك بين المطرقة والسندان!

تم نشره في الاثنين 16 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:06 مـساءً

قبل التطور الخطير في كركوك كنت قد كتبت ليلة أمس في مقالي الأسبوعي لجريدة الغد الغراء بأن "بركان كركوك على وشك الانفجار ليدخل بلاد الرافدين في مستنقع جديد لكن هذه المرة مستنقع قومي طائفي بحت وليس مستنقعاً مذهبياً طائفياً".
وبعد أربع ساعات من إنهاء الخطوط العريضة للمقال انفجر بركان كركوك، وذكرت – ساعتها- بأن : "الأحداث تتسارع في مدينة كركوك النفطية، وصارت التهديدات والمهل من الطرف الحكومي للكرد بالانسحاب من أطراف المدينة بالساعات وليس بالأيام، والتحشيدات من كلا الطرفين صارت على قدم وساق وكأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة للدخول في مرحلة تصفية حسابات مدفونة، أو مؤجلة بينهما".
وفعلاً وقع المحذور، وبدأت قوات حكومة بغداد المدعومة من الحشد الشعبي عملية عسكرية لاقتحام جنوب كركوك وإعادة السيطرة على حقول النفط وقاعدة K1، وقد لوحظ انسحاب اللواء 160 من قوات البيشمركة من خطوط المواجهة بين الفريقين، وقد تمت السيطرة على غالبيتها صباح الاثنين!
ومما ذكرته في مقال اليوم الذي اضطررت لقلبه بسبب تسارع الأحداث:
الأزمة بين بغداد وأربيل رافقتها حملة إعلامية شرسة من غالبية أعضاء الفريقين، فيما تحاول بعض القيادات تهدئة الأمور وكأنهم يموهون على بعضهم، أو يرتبون لشيء ما تحت جنح الظلام.
ورغم تصاعد طبول الحرب بين الفريقين تحاول القيادة الكردية امتصاص نقمة الجميع، ويوم الأحد الماضي اجتمع المكتبان السياسيان للحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في دوكان بحضور فؤاد معصوم، رئيس الجمهورية، ورئيس الإقليم مسعود البارزاني، وانتهى الاجتماع بالدعوة "للحوار غير المشروط مع بغداد، رفض المطالب بإلغاء نتائج الاستفتاء".
وبالتزامن مع هذه الاجتماعات لاحظنا أن القيادة الكردية لم تسع للتهدئة الحقيقية، بل على النقيض من ذلك هنالك من زاد في التصريحات غير المنطقية ومنها اعتبار القيادي بقوات البيشمركة كمال كركوكي، "جبل حمرين من ضمن حدود إقليم كردستان، وأن قوات البيشمركة مستعدة  لمواجهة أي تهديدات".
بالمقابل طالب القيادي في الحشد الشعبي "هادي العامري"، قوات البيشمركة " بالانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها في ظروف استثنائية بعد حزيران 2014، وأن هذه المناطق لم تقع تحت سيطرة داعش، وإنما استطاعت قوات البيشمركة السيطرة عليها نتيجة للظروف الاستثنائية التي كان يعيشها الجيش العراقي آنذاك".
المتابع لقضية كركوك يلمس تداخلاً ما بين العقوبات الأميركية الجديدة على الحرس الثوري الإيراني واشتعال قضية كركوك، واعتقد أن إيران ستسعى لتناحر "حلفائها من العرب والكرد" في العراق مع بعضهم، وستعود للعبة تصفية الحسابات مع الولايات المتحدة في المشهد العراقي، وبالذات مع زيادة العقوبات الأميركية عليها، واحتمالية إنهاء، أو تغيير بعض بنود الاتفاق النووي، وبهذا أتوقع أن تتعقد اللعبة على الساحة العراقية لإحراج الولايات المتحدة التي تريد إبقاء التوافق الظاهري - على الأقل في هذه المرحلة- بين حلفائها في العراق.
الواضح أن القيادة الكردية- وبالذات الحزب الديمقراطي الكردستاني- في موقف لا يحسدون عليه لأنهم عوّلوا كثيراً على مرحلة ما بعد الاستفتاء وكأنهم أرادوها بداية لمرحلة جديدة في مفاوضاتهم المستمرة مع بغداد، لكن أظن أن السحر انقلب على الساحر، وهذه المرة الكرة أوضح وأقوى في ملعب حكومة العبادي، وهذا سيزيد من فرص التناحر، أو الانقسام الكردي نتيجة لإصرار البرزاني على التناحر مع بغداد ودول المنطقة.
ما لا نتمناه أن تكون ورقة كركوك محاولة من بعض الأطراف الحكومية للدعاية الانتخابية ولو كانت تلك الدعاية مكتوبة بدماء الأبرياء تحضيراً للانتخابات المقبلة بعد أن وجدت الكثير من الأحزاب نفسها أمام نقمة شعبية نتيجة الأداء غير المنتج، بل والتدميري الذي نلمس آثاره في العديد من زوايا العراق ومنها كركوك التي ربما ستكون القشة التي ستقصم ظهر البعير وحينها لم يعد هنالك أي وجود لعراق موحد، ولا حتى لكردستان، والمحصلة ستكون هدية مجانية تقدمها السياسات الخاطئة لأعداء العراق والأمة.
هذا التصعيد الخطير في كركوك لا يمكن أن يقود القضية المعقدة لحلول منطقية في ظل الظروف السياسية والأمنية غير الواضحة التي يمر بها العراق، وربما ستكون فتنة كركوك الشرارة التي ستحرق العراق وتقسمه، أو اللبنة التي تُعيد اللحمة الجغرافية والسياسية والاجتماعية للعراق المهدد اليوم - أكثر من أي مرحلة مضت- بالحرب الأهلية والتشظي.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »كركوك (همسات الصباح)

    الثلاثاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
    نعم دكتور من خلال متابعتي لمجريات الأحداث في كركوك أرى أن الكرة أوضح وأقوى في ملعب حكومة العبادي لحد الآن ،ونتمنى أن تكون كركوك العراقية الحاضنة لكل الطوائف منذ ألاف السنين حمامة السلام، أو اللبنة التي تعيد اللحمة الجغرافية والسياسية والاجتماعية للعراق كما ذكرت حضرتك في المقال وأن ينتهي وضع هذه المحافظة العريقة بقومياتها والغنية بثرواتها بين المطرقة والسندان.