عيسى الشعيبي

حرب ترامب الكلامية

تم نشره في الاثنين 16 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:05 مـساءً

بعد إعلان الرئيس الاميركي دونالد ترامب عن استراتيجيته الشاملة ازاء ايران، بما في ذلك فرض عقوبات قاسية على الحرس الثوري، يحسن بالمراقب الا يطيل النظر في الصورة الفوتوغرافية المعبرة عن لحظة سياسية في زمن محدد، خصوصاً اذا كانت هذه الصورة جزءا من شريط لا يتوقف، كما يجدر بالمحلل الذي يمتلك قدرة على رؤية المشهد الاوسع، ان يقارب الموقف المتحرك بعين ترى البعدين الزماني والمكاني لحدث بعينه، بذهنية تخلو من الاوهام والقراءة الرغائبية، اذا اراد ان يكوّن تقديراً متماسكاً، وقابلاً للمناقشة الموضوعية بكل تجرد.
واحسب ان شعوب الشرق الاوسط لم تسمع كلاماً اميركياً بهذه الدرجة من الخشونة والصرامة، منذ غزو العراق عام 2003 ، وان دولة في هذه المنطقة لم تتعرض، منذ ذلك الوقت، الى مثل هذه التهديدات، التي تدفقت على لسان الرئيس الاميركي كسيل جارف، لدى امتناعه عن تجديد المصادقة الدورية على الاتفاق النووي مع ايران، الامر الذي جعل هذه التهديدات اقرب ما تكون الى نقلة تصعيدية واسعة لحرب كلامية دائرة على قدم وساق بين اميركا وايران، ان لم نقل انها قرع طبول اشد دوياً من ذي قبل، بادرت اليه الدولة العظمى هذه المرة.
قديماً قالت العرب؛ الحرب اولها كلام، وان اول اختراع بشري (الحرب) كان يبدأ بإشعال النيران وقرع الطبول في العصور الغابرة، إما لإحماء الموقف، وإما لما نسميه اليوم الحرب النفسية، اي التحشيد والتعبئة ورفع الروح المعنوية لدى المحاربين. ومع انه تم استبدال محفزات الحرب البدائية بأدوات جديدة، ونعني بها التوجيه المعنوي والاعلام الحربي والمناورات العسكرية وغيره، الا ان الكلام في حد ذاته بقي أداة لا غنى عنها، لإعداد المسرح الحربي وتهيئة الاذهان من جهة اولى، وبث الرسائل وعرض النوايا وتوضيح الاهداف من جهة ثانية، تماماً على نحو ما بدا عليه خطاب ترامب الاخير.
بدلاً من الوقوع في عملية تخمين لا تليق بالكتاب والسياسيين والمثقفين، وعوضاً عن تقليب الموقف، المتحول بين يوم وآخر، بعقلية البائع في سوق التجزئة، على القارئ الحصيف ان يأخذ بعين الاعتبار حقيقة ان ما قد يكون صحيحاً في هذا اليوم لن يكون كذلك في اليوم التالي، وان لكل ازمة منطقها الخاص، وان لكل بلد صورة صنعها بنفسه عن نفسه، ناهيك عن حقيقة اخرى، وهي ان كلاً منا، افراداً وعواصم وقادة جيوش، اسرى لمسؤولياتهم وادعاءاتهم وخطاباتهم، الامر الذي يجدد فرضية ان التهديد والوعيد والانذارات، هي الافتتاحية الاولى لكل حرب تلوح نذرها في الآفق البعيد.
بهذه المناسبة، تحضر الى الذاكرة صورتان تاريخيتان، الاولى من العصور الوسطى، عندما خرجت جماعة من قطاع الطرق الى المتنبي وهو في احدى سفراته عبر الولايات، واراد الشاعر الفذ ان يفر من المواجهة غير المتكافئة، الا ان مولاه قال له؛ ألست القائل الخيل والليل والبيداء تعرفني، فقال ابو الطيب؛ قتلتني يا غلام، وقاتل حتى الموت دفاعاً عن صورته كصاحب قلم وسيف. اما الثانية فمن الامس القريب، حين خاض الرئيس العراقي الراحل صدام حسين معركته الاخيرة، وهو يعلم في قرارة نفسه انها جولة اخيرة خاسرة، لكنه كان اسيراً لكبريائه الشخصي، ولصورته عن نفسه كزعيم غير هيّاب، معنياً بمكانته في التاريخ.
على هذه الخلفية المعرفية المتواضعة، من المرجح ان ايران، وهي تُقصف بكل هذه المدفعية الكلامية الثقيلة، وتدفع دفعاً الى الزاوية، ستجد نفسها اسيرة للصورة التي سبق ان كونتها عن الجمهورية الاسلامية "المجاهدة" ضد الشيطان الاكبر، وبالتالي فهي مطالبة ان ترد الصاع صاعين واكثر، اذا ازفت الساعة ووقعت الواقعة، رغم انها تدرك سلفاً ان كل مواجهة حامية الوطيس مع القوة العظمى الوحيدة معركة محسومة قبل ان تبدأ، ولكن ما حيلة من بنى لنفسه صورة المحارب المغوار، وسجن ذاته في اطار ذهبي من المزاعم والادعاءات، وكال لواشنطن الكثير من التحذيرات والانذارات؟.
ازاء ذلك، فإن من المرجح ان تفضي هذه الملاسنات الناشبة بين غريمين مدججين بالمزاعم والحقائق والاوهام، الى تفسير اي خطأ غير مقصود على انه الدليل على أن الحرب وشيكة، وعندها لا مفر من وضع التهديدات المتبادلة في نصابها. 

التعليق