صفوان المصري يضع قصة النجاح الديمقراطي التونسي بسياقاتها التاريخية

تم نشره في الاثنين 16 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • غلاف كتاب"Tunisia: an Arab Anomaly" للباحث صفوان المصري

عمان– الغد- لطالما تناول المعلقون فرادة الحالة التونسية في "الربيع العربي" باعتبارها التجربة الوحيدة الناجحة نسبياً بين انتفاضات العرب منذ العام 2011.
 لكن معظم المداخلات تحت عنوان التجربة التونسية كانت قصيرة، وتركزت على التطورات والمحطات الآنية في رحلة الانتقال التونسية المركبة نحو الديمقراطية.
 لذلك، سيجد المهتمون بقراءة هذه التجربة والمعرفة عنها ضالتهم في الكتاب الذي صدر حديثاً باللغة الإنجليزية، عن مطبعة جامعة كولومبيا، بعنوان Tunisia: an Arab Anomaly، من تأليف الباحث صفوان المصري، ومن تقديم الاستاذة بالعلوم السياسية والمتخصصة في سياسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الأميركية ليزا أندرسون.
في هذا الكتاب، ضم المصري، نائب رئيس المراكز العالمية والتنمية الدولية في كولومبيا، مجمل البحوث التي أجراها حول الظاهرة التونسية، وتعقب الأسباب والعوامل التي تضافرت لإتاحة مسار الانتقال الديمقراطي الذي ما يزال جارياً في تونس منذ بدء "انتفاضة الياسمين". وقال المصري في تقديمه لكتابه: "مستلهمة التجربة التونسية، نهضت الجماهير العربية، في تحدٍّ ممزوج بالتوقع، أولاً من أجل التضامن مع التونسيين، ثم من أجل تغيير أقدارها في أوطانها، خالقة تعاقباً في الأحداث أشبه بأثر الدومينو، والذي أصبح معروفاً بـ"الربيع العربي".
واضاف "لكن ذلك الربيع سرعان ما تحول إلى شتاء قاتم وعاصف سحق آمال الشعوب بحياة أفضل وبقدوم حكومات تمثيلية لأولئك الذين تحدوا الحالة القمعية السائدة".
تعتقد أطروحة الكتاب أن "الربيع العربي ابتدأ وانتهى بتونس" وأن "ثورة الياسمين التونسية وحدها مهدت الطريق لانتقال سلمي نحو ديمقراطية عاملة" في منطقة دمرتها الحروب والقمع الدموي والحروب الأهلية.
وسرد الكاتب مجمل التطورات التي تلت بداية الثورة، من وضع دستور تقدمي، إلى أول انتخاب ديمقراطي لرئيس البلاد. لكن هذا التفرُّد في الإفلات من المصير القاتم للانتفاضات في الدول الأخرى يصعب أن يكون عشوائياً.
ولذلك، يقتضي الفهم الكامل لقصة النجاح التونسية استكشاف العوامل التي ميزت تونس عن محيطها العربي ومكّنتها من التفرد في المسار، وهو ما ينجزه المصري في رحلته البحثية الثرية.
يتعقب المصري تاريخ تونس في الإصلاح، في مجالات التعليم والدين وحقوق المرأة، ويبحث عن بذور التجليات الراهنة في المجتمع الليبرالي نسبياً الذي شكلته تونس في أواسط القرن التاسع عشر. ويخلص الكاتب إلى أن تونس لا تبرز كنموذج لا يمكن تكراره في الدول العربية الأخرى فحسب، وإنما هي "حالة ناشزة" لأن تاريخها في الإصلاح وضعها دائماً على مسار منفصل عن بقية المنطقة.
في تقديمها للكتاب، تكتب أندرسون، النائبة السابقة لرئيس الجامعة الأميركية في القاهرة،  "يتناول هذا الكتاب العوامل الاجتماعية والفكرية والسياسية التي هيأت الشعب التونسي لاستقبال ديمقراطية ناجحة. إنه كتاب عن التاريخ، وعن الحاضر والمستقبل. وهو  يصنع توليفة من المعرفة الحاضرة، كما يستند أيضاً إلى مئات الساعات من المقابلات التي أجريت مع عشرات الخبراء، والقادة، والناشطين والمواطنين العاديين، ليضع الأشياء في أطرها بطريقة تحليلية ومناهضة للحدس في بعض الأوقات، للمساعدة على الوصل بين النقاط وفهم ظهور ديمقراطية سلمية وليبرالية إلى حد كبير في بحر من الفوضى".
واضافت "بالكثير من الطرق، يشكل هذا الكتاب محاولة للتوفيق بين الروايات المتعارضة حول ما الصواب وما الخطأ. وهو يسعى إلى فهم الكفية التي يمكن أن تتلاقى بها هوية ومجموعة من القيم وتندغم، مما كان ليشكل بغير ذلك اتجاهات وحساسيات متفارقة. إنه عن تونس والعالم العربي، لكنه أيضاً عن الإسلام، وعن العروبة، وعن الصراع من أجل تأسيس قبول، أو فهم على الأقل، لكلا طرفي الصراع".
بدأ الكتاب بعرض الجدول الزمني للانتفاضة التونسية، ثم يتعقب جذور الهوية التونسية، من قرطاجنة القديمة إلى العام 1965. وبعد ذلك ينتقل إلى الحقبة الحديثة، من زمن الحبيب بورقيبة، والد تونس الحديثة، إلى تعليم الأمة وتحديد أدوار الدين فيها. ثم يرسم الكاتب ملامح المسار التونسي المختلف الذي منح الحالة التونسية فرادتها، ليضع الخلاصات في الخاتمة التي كتب فيها:
"هذه هي قصة تونس. وهي قصة عن التكيف والاعتدال، وعن النقاش والإجماع. إنها قصة سعة المعرفة والإصلاح التراكمي المتسمر. وهي قصة جديدة من حيث أن القليل كان معروفاً عن تونس وخصوصياتها حتى أصبحت قصة النجاح الوحيدة للربيع العربي. لكنها قصة قديمة من حيث أن تونس الديمقراطية والليبرالية كانت قيد التكون منذ وقت طويل، طويل".
الكتاب الموثق جيداً، والذي جاء في 378 صفحة من القطع المتوسط مع الخرائط والحواشي، يقدم بإفاضة مكثفة معظم ما يريد المعني معرفته عن تونس التاريخ والراهن. وربما يصلح فهم السياق التونسي في توفير دليل إرشادي للدول الأخرى الساعية إلى تغيير أقدارها، والتي يمكن أن تستفيد من المحطات التي جعلت من تونس بلداً متاحاً للديمقراطية، وجعلت شعبه مرحِّباً بالانتقال إلى غد أفضل، بعيداً عن العنف والكوارث التي عصفت ببلاد الآخرين.

التعليق