المنطق الأعوج لمن ينكرون التنازل

تم نشره في الاثنين 16 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:10 مـساءً
  • جنود إسرائيليون يقفلون الطريق الرئيس المؤدي إلى المسجد الأقصى.-( ا ف ب )

هآرتس

شاؤول اريئيلي

رئيس الحكومة السابق إيهود اولمرت، الذي عرف جيدا معسكر "منكرو التنازل"، الذي استقال منه هو واريئيل شارون، قال لصحيفة "معاريف" في 20 أيار 2012: "كنت على بعد خطوة من تحقيق اتفاق السلام. الفلسطينيون لم يرفضوا في أي مرة اقتراحاتي. واذا كان هناك للمرة الألف من يحاولون الادعاء أنهم رفضوا اقتراحاتي، فإن الواقع كان مختلفا. فهم لم يوافقوا عليها، وهنا يوجد فرق. هم لم يوافقوا عليها لأن المفاوضات لم تنته، بل كانت على شفا الانتهاء. ولو بقيت رئيسا للحكومة اربعة اشهر اخرى لكان يمكن التوصل إلى اتفاق سلام. الفجوات كانت صغيرة جدا، وقد وصلنا إلى المراحل الاخيرة".
هذا الاقتباس من المصدر الاساسي يفند كليا الادعاء بشأن رفض محمود عباس الذي يتم طرحه من قبل بني بيغين ودان مرغليت ("نزاع فريد واستنتاج فريد"، "هآرتس"، 9/10، و"علينا التعلم من بيغين وليس من غولدة"، هآرتس، 10/10). لكن الأهم من التفنيد هو الفكرة الجوهرية التي تتجسد في اقوال اولمرت، والتي وجهته في المفاوضات. خلافا لأسلافه، قام أولمرت بـ"قفزة اعتقاد" فيما يتعلق بإنهاء الصراع. هو لم يأت "للتنازل" أو "الاعطاء"، بل جاء للتفاوض من اجل انهاء الصراع بصورة عادلة وحكيمة وواقعية ووفقا للقرارات الدولية.
هذا الموقف لا يتبناه "رافضو المصالحة"، الذين يفضلون الرؤيا احادية الجانب الضيقة والمتعجرفة والتي ينقصها الواقع التاريخي والتي ركزت عليها بشكل موسع في المقال الذي رد عليه بيغين (حلول فريدة لصراع فريد"، "هآرتس"، 4/10). حسب رأيهم، اذا تم التوقيع على اتفاق مع الفلسطينيين فيجب التوقيع عليه دون أي شروط.
إسرائيل تقوم بالاقتراح والفلسطينيون يجب عليهم الموافقة على اقتراحاتها مهما كانت، حتى اذا كانت مقطوعة عن أي قاعدة سياسية وقانونية، مثل اقتراحات إيهود باراك في كامب ديفيد الذي طلب من ياسر عرفات: "مناطق لا تقل عن 11 في المئة، يعيش فيها 80 في المئة من المستوطنين، يتم ضمها إلى السيادة الإسرائيلية. واضافة إلى ذلك، لن نقوم بنقل مناطق تقع تحت سيادة إسرائيل (دون تبادل للأراضي)... سيطرة إسرائيلية لبضع سنوات على ربع غور الاردن". و"جبل الهيكل يكون تحت سيادة إسرائيل... وعرفات يحصل في البلدة القديمة على السيادة في الحي الإسلامي وكنيسة القيامة". وشرقي القدس يبقى تحت سيادة إسرائيل والقرى التي ضمتها إسرائيل في 1967 تنقل إلى فلسطين.
الرفض الفلسطيني لعرض إسرائيل يحولهم بشكل تلقائي إلى رافضين للسلام. فقط هكذا "رافضو المصالحة" يستطيعون تفسير المنطق الفاسد الذي يقف في مركز ادعاءاتهم، الذي يقول "باراك أعطى كل شيء" و"أولمرت أعطى أكثر من باراك". هكذا فقط يمكنهم تفسير "الموقف الثابت الذي طرحه الفلسطينيون اثناء المفاوضات" – "التنازل عن 100 في المئة التي تشكل وطنهم فلسطين مقابل 22 في المئة التي تشكل الدولة الفلسطينية – أمام البازار الفارسي الذي تعاملت فيه إسرائيل حتى انابوليس 2008. من ناحيتهم لا يوجد للفلسطينيين شرعية لعرض موقفهم. هم يرفضون شرعية الرواية الفلسطينية والاعتراف الدولي بها.
هم يتجاهلون المنطق البسيط، الذي يقول إن رفض لاقتراح اولمرت كما هو، شرعي ويوازي رفض اولمرت لاقتراح عباس كما هو. هذا هو جوهر كل مفاوضات، يقترحون ويتفاوضون ويتنازلون ويتقدمون. في نظرهم إلى الفلسطينيين على أنهم "شفافون"، وهم فقط "يوافقون"، فهم يفوتون فرصة النظر إلى المرآة التي يضعها الفلسطينيون أمامنا في المفاوضات، فرصة فهم أنه من اجل التوصل إلى الاتفاق يجب الاعتراف بشرعية الفلسطينيين، بإنسانيتهم واحتياجاتهم. وفهم أنه يجب علينا التخلي عن جزء من احلامنا اذا كنا لا نريد أن يتحول إلى كوابيس.
بيغين اختار التركيز على موضوع اللاجئين. وكتب في مقاله الكثير من الاقتباسات "المختارة" (جميعها من موقع واحد). هذه مقاربة للهواة من اجل فهم مواقف الاطراف. مثل محاولة شرح مواقف اسحق رابين وباراك في المفاوضات على مستقبل هضبة الجولان والمناطق، على قاعدة الحملة الانتخابية لحزب العمل. توجد هناك كمية وافرة من التصريحات المتعاكسة حول هذا الموضوع، مثلا تصريحات عباس في 2008، حيث قال "من غير المنطقي الطلب من إسرائيل استيعاب خمسة ملايين لاجئ، أو حتى مليون لاجئ. معنى هذا سيكون نهاية دولة إسرائيل"؛ أو تصريحه بأنه مستعد للعودة إلى صفد، مسقط رأسه، كسائح فقط. على بيغين والجمهور أن يفهم أن المواقف التي يقومون باقتباسها هي المطروحة في المفاوضات الرسمية.
لو أن بيغين، الذي تنقصه تجربة التفاوض مع الفلسطينيين، كلف نفسه عناء قراءة الابحاث والكتب حول الموضوع لكان فهم أن الحديث لا يدور، كما يدعي، عن "خيال الخبراء" بل عن الموقف الفلسطيني الرسمي الذي يقول إن عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين سيعودون إلى إسرائيل – بموافقتها – يتراوح بين 50 – 100 ألف لاجئ. هذا العدد، اذا وافقت عليه إسرائيل (اولمرت رفض)، لن يؤثر على الميزان الديمغرافي لإسرائيل. اضافة إلى ذلك، على ضوء حقيقة أنه حسب مسودة الاتفاق في المفاوضات التي اجراها اولمرت، أكثر من 330 ألف فلسطيني في القدس سيغيرون اقامتهم الإسرائيلية بمواطنة فلسطينية، الميزان الديمغرافي يتوقع أن يتغير بـ2.5 في المئة لصالح اليهود في إسرائيل.
لقد تجاهل بيغين أيضا أن كل اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين سيكون متعلقا بـ "صفقة" تشمل اربعة مواضيع اساسية، كل طرف يمكنه الحصول على ما يريد فقط في موضوعين. في موضوع الامن سيقدم  الفلسطينيون لإسرائيل نزع السلاح من دولتهم، وفي موضوع الحدود ستمنح إسرائيل موافقتها على العودة إلى حدود 1967 كأساس. التنازل الفلسطيني عن حق العودة الذي سبق أن أعطي في 1988، عندما كتب أبو اياد، نائب ياسر عرفات، لادارة ريغين "حق العودة لا يمكن تطبيقه من خلال الاضرار بالمصالح الإسرائيلية، بل يجب علينا أن نأخذ في الحسبان الوضع الذي نشأ منذ العام 1948" – يقتضي في المقابل اقامة عاصمة فلسطين في شرقي القدس".
لو كان من ينكرون التنازل يكرسون دقائق معدودة للقراءة، لكانوا عرفوا التنازلات الاخرى التي طرحها الفلسطينيون في المفاوضات – بعيدا عن المواقف الدولية وأقرب إلى المطالب الإسرائيلية. في حين أن المجتمع الدولي يصمم على العودة إلى حدود 1967، وافق الفلسطينيون على تبادل الاراضي. ورغم أن المجتمع الدولي يقول إن المستوطنات غير قانونية، إلا أن الفلسطينيين وافقوا على ضم 65 – 80 في المئة منها إلى إسرائيل، والتي تقع خلف الخط الاخضر، ومن ضمنها الاحياء اليهودية في شرقي القدس. في موضوع الامن أيضا استجاب الفلسطينيون لطلب إسرائيل ووافقوا على دولة منزوعة السلاح.
مقابل المرونة التي أظهرها الفلسطينيون، حتى لو كان هذا رغم ارادتهم، يبرز انسحاب نتنياهو من مبادئ المفاوضات (الأخذ والعطاء) المعروض أعلاه. هو يرفض قبول حدود 1967 كأساس للتفاوض، ويرفض البحث في موضوع القدس. ولو أن بيغين اعترف بهذا الرفض، لكان فهم ما فهمه الرئيس دونالد ترامب في اشهر معدودة: ايجاد شريك إسرائيلي اصعب من ايجاد شريك فلسطيني من اجل اجراء المفاوضات على الاتفاق الدائم. في هذه المرة آمل، وبحق، أن يفهم ذلك كل قارئ، حسب بيغين.

التعليق