عبادة الشخصية في كوريا الشمالية

تم نشره في الثلاثاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:00 صباحاً

إيان بورما*

نيويورك - من السهل رسم سخافة الدكتاتورية الكورية الشمالية بشكل كاريكاتوري. فالرئيس كيم جونغ أون، بحلاقة شعره الغريبة التي تعود إلى الثلاثينيات (والتي يقال إنها تجعله مشابهاً لجده، كيم إيل سونغ، مؤسس النظام)، وبدلته القديمة، وجسمه القصير والسمين، يشبه تماماً شخصيات الرسوم المتحركة. وهو يعتبر رسمياً عبقرياً قوياً، يُعبَد مثل الإله ويكون باستمرار محاطاً بالناس، بما في ذلك ضباطه العسكريين، حاملاً الأوسمة على صدره، يضحك أو يصفق، أو يصرخ بشكل هستيري.
وكما نعلم، فاٍن الحياة في كوريا الشمالية ليست مسلية. فالمجاعات المتكررة تدمر السكان. كما يحتجز ما يصل إلى 200.000 من السجناء السياسيين كعبيد في معسكرات العمل الوحشية، ويكونون محظوظين إذا لم يتعرضوا للتعذيب حتى الموت. والحرية لا وجود لها. وتُعتبر التحفظات على الوضع الإلهي لكيم محظورة؛ بل للبقاء على قيد الحياة يجب الإعلان بانتظام عن التفاني من أجل نظامه.
ومن المحتمل، بل ومن المرجح، أن العديد من الكوريين الشماليين يتصرفون مثل العابدين المتنسكين فقط لأنهم مُجبرون على ذلك. والبعض الآخر يسيرون في هذا الطريق لأنهم لا يملكون خياراً أفضل. ومثل الناس في كل مكان، فإنهم يلتزمون بالقواعد السائدة من حولهم بشكل تلقائي، دون التفكير في مبرراتها. ولكن بعض الكوريين الشماليين، وهم  كثيرون، قد يؤمنون بصدق بعبادة أسرة كيم، والتي، مثل جميع الطوائف (أو المعتقدات الدينية)، تتكون من أجزاء وقطع اتخذت من الثقافات والمعتقدات والتقاليد الأخرى.
يدين مذهب كيم بشيء من أشكال الستالينية، والمسيحية، والعبادة الكونفوشيوسية، والشامانية الأصلية، وعبادة اليابانيين للإمبراطور، الذي حكم كوريا في النصف الأول من القرن العشرين. وكان من المفترض أن يكون والد كيم، كيم جونغ ايل، قد ولد على جبل بايكتو الذي يعتقد أنه مكان مقدس الذي ولد فيه المؤسس المؤله في أول مملكة كورية تدعى تانغون منذ أكثر من أربعة آلاف عام. وقد حولت ولادة كيم جونغ ايل، المعروف أيضاً باسم القائد العزيز (والده، كيم ايل سونغ، القائد العظيم)، الشتاء إلى الربيع، وكان مضيئاً بنجم مشرق في السماء.
كل هذا قد يبدو مضحكاً، لكن قصص المعجزات في أي ديانة تبدو كذلك. المهم أن الناس يصدقونها.
وفي هذا الصدد، فإن الكوريين الشماليين ليسوا أغرب من المؤمنين في أي مكان آخر. وغالباً ما تكون هناك أسباب وجيهة ليكون لدى بعض المعتقدات إغراء قوي. وقد دخل المنبوذون والمضطهدون الأديان السماوية لأنها تركز على المساواة أمام الخالق. والمعتقد الديني الكوري الشمالي أقل شمولية تماماً. وهو يتميز في جوهره في الواقع بالنقاء العرقي، والشعور القومي المقدس الذي يجب الدفاع عنه بأي ثمن ضد العدو.
ومثل بولندا، التي تتميز بخاصية مسيحية ذاتية قوية  تدعو إلى الاستشهاد الوطني (إذا دعت الضرورة)، لدى كوريا تاريخ عانت خلاله من سيطرة القوى الكبرى، وخاصة الصين، ولكن أيضا روسياً، والأبرز من ذلك منذ الغزوات الوحشية للقرن السادس عشر من اليابان. وجاء الأميركيون متأخرون، لكن الكراهية الرسمية للإمبريالية الأميركية في كوريا الشمالية لا تنبع من الحرب الكورية الوحشية فحسب، بل أيضاً من الذاكرة الطويلة للقمع الأجنبي.
وقد خلقت هيمنة القوى الخارجية أقطاب التعاون والمقاومة في التاريخ الكوري. بعض الطبقات الحاكمة في مختلف المملكات الكورية تعاونت مع القوى الأجنبية، وكافح البعض ضدها. وأدى ذلك إلى كراهية عميقة بين الكوريين أنفسهم.
بدأ كيم إيل سونغ حياته المهنية كمتعاون. وقد اختاره ستالين ليكون الزعيم الشيوعي في الشمال. وكان هذا هو الذي صنع أسطورة كيم كبطل المقاومة ضد اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية، وبعد ذلك ضد الأميركيين والمتعاونين معهم في كوريا الجنوبية.
وبتقديسها للاعتماد على الذات، المعروف باسم "جوش"، تكتسي القومية الكورية الشمالية بصبغة دينية وسياسية. والدفاع عن نظام كيم، الذي بُني كرمز للمقاومة الكورية للقوى الأجنبية، مهمة مقدسة. وعندما يستحوذ الدين على السياسة، يصبح الحل الوسط شبه مستحيل. ويمكن للناس التفاوض حول المصالح المتضاربة، ولكن ليس على المسائل التي تعتبر مقدسة.
يعتقد دونالد ترامب، المستثمر العقاري، أن كل شيء قابل للتفاوض. لكن لا شيء مقدسا في الأعمال التجارية. وتركز فكرته في التوصل إلى اتفاق على الإطاحة بالطرف الآخر بالخداع والترهيب، ومن ثم وعده بـ"تدمير كوريا الشمالية تماماً" (الوعد الذي سيؤدي إلى أكثر من 20 مليون قتيل). ومن الصعب أن نتصور كيف يمكن، بمثل هذا التهديد، إقناع كيم جونغ أون بالتفاوض، بوصفه المدافع الإلهي عن شعبه.
ومن الممكن أن يفضل كيم، بل وربما بعض عناصر حكمه الاستبدادي، الموت بدلاً من الاستسلام. ولن تكون هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها انتحار جماعي عقائدي.
لكن هناك خطراً آخر، على الأرجح. فعادة ما تلي تغريدات ترامب العدائية، بعباراتها العامة، تصريحات أكثر حذراً من كبار أعضاء حكومته، والتي قد لا يأخذها كيم على محمل الجد. وربما يعتقد أن ترامب مجرد مخادع ولن ينفذ تهديداته.
وهذا قد يدفع كيم إلى اتخاذ بعض الإجراءات المتهورة -كتوجيه صاروخ إلى جزيرة غوام، على سبيل المثال- الأمر الذي سيجبر الولايات المتحدة على الرد بالمثل. وستكون النتيجة كارثية، ليس فقط بالنسبة للكوريين الذين يؤمنون بمهمة كيم المقدسة، ولكن قبل كل شيء بالنسبة لملايين الكوريين الموجودين على بعد 35 ميلاً فقط من الحدود الكورية الشمالية، والذين ليس لهم أي دور في تقديس كيم على الإطلاق.

*محرر "نيويورك ريفيو أوف بوكس"، ومؤلف العديد من الكتب، منها "جريمة قتل في أمستردام: موت فان غوخ وحدود التسامح"، و"السنة صفر: تأريخ للعام 1945".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق