الساعة البيولوجية تحدد مواعيد الأدوية لمرضى

تم نشره في الثلاثاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

عمان- مُنحت جائزة نوبل في الطب للعام 2017 لثلاثة علماء أميركان هم : جيفري هول ومايكل روسباخ ومايكل يونغ، وذلك لأبحاثهم ودراساتهم التي أجريت حول الساعة البيولوجية عند النباتات والحيوانات والانسان، وكان تعليل اللجنة السويدية لمنحهم هذه الجائزة هو أنهم استطاعوا إثبات وتوثيق وجود نظام داخل أجسام الكائنات الحية يُكيف عمل الوظائف الحيوية للأعضاء في أجسامها وفق متغيرات الليل والنهار.
وبفضل دراساتهم تم كشف النقاب عن آلية التكيف الإيقاعي للساعة البيولوجية داخل أجسام الكائنات الحية والآليات الجزيئية التي تتحكم بعمل هذه الساعة والتي تدعى "circadian rhythm"، بالإضافة إلى تفسير وشرح دورها في حدوث تغيرات جينية تساعد على تكيف الوظائف البيولوجية التي تقوم بها أجسامها وسلوكياتها خلال اليوم وبوتيرة منضبطة تتيح لها التكيف مع مراحل مختلفة على مدار 24 ساعة.
وبدأ هؤلاء العلماء رحلة البحث هذه في بداية الثمانينات عندما اكتشفوا لأول مرة جينا في ذبابة الفاكهة سُمي جين الفترة " Period Gene" والذي يتحكم في تبادل الوظائف البيولوجية داخل جسمها وإحداث تغيرات في بعض سلوكياتها الحيوية تتناسب مع تقلُّب النهار والليل "Day-Night Rhythmus".
وبهذا توصل العلماء الى العلاقة التي تربط الجين المسؤول عن عمل الساعة البيولوجية وطبيعة حدوثها وما ينتج عن هذه العلاقة من تذبذبات في مستويات البروتينات الأخرى خلال اليوم، فالتحكم بالتغيُّرات التي تَحدُث نتيجةً لتتابع الليل والنهار وتقلُبهما يتم عبر ادخال بروتين "PER" الى نواة الخلية يشفـر له جيـن بيريــود " Period" وتتذبذب مستوياته خلال دورة الـ 24 ساعة بحيث يتم انتاجه في السائل المحيط بالخلية لترتفع نسبته في النواة بشكل كبير أثناء الليل وتتخلص منه في النهار وهذا بدوره يُشكّل ما يسمى بإيقاع الساعة البيولوجية.
ولفهم هذا الأمر علينا تخيل الساعة الرملية ومبدأ عملها المشابه لآلية عمل هذا الجين، حيث يقوم هذا الجين بتغيير وضع الساعة البيولوجية داخل الجسم وفق عوامل مختلفة يتعرض لها اثناء تعاقب الليل والنهار وتحدُث بطريقة مشابهة للساعة الرملية عند انتقال الرمل من جزء إلى آخر.
كما استطاع هؤلاء العلماء اكتشاف بروتين آخر في منتصف التسعينات يدعى "Timeless" والذي يُشفِّر بروتين "TIM" والذي يعكس الليل والنهار، فالتناغم بين مستويات هذين البروتينين ( بروتين "PER" و بروتين "TIM") في الخلايا يولد حالة من التذبذب الذاتي وهذا ما يوضح مزامنة الانتقال السريع والسلس بين التفاعلات البيولوجية ليلاً ونهاراً والذي يتم السيطرة عليه بواسطة بروتين آخر تم اكتشافه يدعى " Double-time" ويشفر بروتين ثالث " DBT " والذي يعمل بدوره على تكيف دوران مستويات جين "PER" خلال الليل والنهار.
وبفضل هذه الاكتشافات تم فهم وتفسير آلية فسيولوجية حاسمة على مستوى الجينات والبروتينات تبيـن وتشرح طبيعة التكيف الإيقاعي في الساعة البيولوجية بشكل تام، بالإضافة إلى التعرف على مستويات البروتينات الخلوية اللازمة من أجل الحصول على ساعة بيولوجية طبيعية داخل الجسم، والتي لها أهمية بالغة بالنسبة للمرضى الذين يتناولون الأدوية بشكل يومي وبمواعيد محددة، فأدوية الأزمة "الربو" تُعطى مساءً وعقاقير ضغط الدم أثناء النهار وفقــاً لأسباب طبية مهمة ترتبط بذلك.
فهذه المعرفة أتاحت لنا معرفة التفاعلات المستمرة بين الخلايا والانسجة والاعصاب والتي تنظم فترة العمل والراحة للأعضاء الجسمية. وأهميتها الكبيرة في تحليل الوظائف البيولوجية للجسم والتي تنعكس على عملية التمثيل الغذائي ودرجة حرارة الجسم وسلوكيات الانسان وصحته والمحافظة على استمرارية الحياة، الى جانب دورها في حدوث اضطرابات النوم أو انعدامه، وتحكمها بطول عمر الإنسان وتأثيرها على الإنجاب لديه وغيرها كثير.

* الدكتور فايز أبو حميدان

التعليق