حِلف بغداد جديد لمنع قيام دولة كُردية

تم نشره في الثلاثاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:10 مـساءً
  • مواطنون عراقيون يتجمعون في مدخل كركوك لدى سماعهم عن اقتراب الجيش العراقي من المدينة -(أرشيفية)

د. سعد الدين إبراهيم

في الأسبوع الأول من (تشرين الأول) أكتوبر 2017، قام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بزيارة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث التقى رئيسها حسن روحاني، ومرجعها الديني الأعلى علي خاميني. وعلى رأس جدول أعمال هذه الزيارة الأولى من نوعها بين قادة البلدين هي كيفية حِصار وإجهاض مشروع الدولة المُستقلة، التي أعلن الزعيم الكُردي مسعود برزاني قيامها عقب استفتاء لأكراد العِراق، في أواخر (أيلول) سبتمبر 2017، ووافق فيه أكثر من 90 في المائة على مشروع الدولة التي يحلم بها الأكراد منذ مائة سنة.
ولكن ما شأن تركيا وإيران بما يبدو أنه مسألة كُردية – عِراقية؟
والإجابة، هي أن هناك أكراداً في تركيا (15 مليون)، وأكراد في إيران (10 مليون)، يحلمون بنفس المطلب، وأن قيام نواة لدولة كُردية في العِراق لا بُد أن يكون مُقدمة لامتدادها لتشمل أقاليم وأكراد كل من تركيا وإيران، وربما سورية، إن آجلاً أو عاجلاً، بل وقد سبق لأكراد إيران أنفسهم إعلان مثل تِلك الدولة فيما سُمي وقتها بجمهورية مهاباد، في مُنتصف القرن العشرين، على يد المُلا مصطفى برزاني، والد مسعود برزاني، في أواخر أربعينيات القرن العشرين. ولكن تم القضاء عليها بتواطؤ عسكري بين شاه إيران والدول الغربية في ذلك الوقت. وقد كان لكل منها أسبابها في حينه. فقد كان الحُلفاء الغربيون يُريدون إيران قوية للصمود في وجه عدوهم الجديد في الحرب الباردة، وهو الاتحاد السوفييتي، فتم القضاء على الحلم الكُردي، بهزيمة جمهورية مهاباد.
    وربما يعتقد زُعماء تركيا وإيران تِكرار نفس ما حدث في أربعينيات القرن العشرين، وإجهاض الدولة الكُردية الوليدة. ولكن كما يقول كارل ماركس إن التاريخ لا يُعيد نفسه، وإذا بدا كذلك، فإن المرة الأولى تكون حقيقة، والثانية تكون مسخاً! والطريف أن بغداد، تُشارك كلا من أنقرة وطهران مُعارضتها لقيام دولة كُردية مُستقلة على جزء من أراضيها في الشمال. أي أن ثمة مصالح مُشتركة بين تركيا وإيران والعِراق، وهو ما كان قد أوحى لأميركا وحُلفائها الغربيين في مُنتصف القرن العشرين بإنشاء حِلف دِفاعي من نفس تِلك الدول الثلاث –تُركيا وإيران والعِراق- ومعهم باكستان، وهو حلف بغداد. ولكن مُقاومة الزعيم جمال عبد الناصر، وقتها للأحلاف الغربية على أراضي دول عربية، ثم تأميمه لقناة السويس خلق تياراً قومياً شعبياً جارفاً، أدى إلى خروج العِراق من مشروع ذلك الحِلف الذي كان يُطلق عليه اسم العاصمة العِراقية –أي حِلف بغداد Baghdad Pact. وبخروج العِراق، أُعيد تسمية الحِلف بالحِلف المركزي، وشمل فقط ثلاث بُلدان، وهي تركيا وإيران وباكستان.
لقد مرت مياه كثيرة وصاخبة تحت جسور الشرق الأوسط والوطن العربي خلال العقود الستة التالية. ولم يعد هناك اتحاد سوفييتي يخافه الغرب وحُلفاؤه. ولم يعد هناك تيار عربي قومي جارف، يُصر على الاستقلال والحياد بين الكُتلتين الشرقية (بزعامة الاتحاد السوفييتي) والغربية (بزعامة الولايات المتحدة). ورغم كل تِلك التغييرات، بما في ذلك اختفاء القيادات الكاريزمية الأسطورية –من طراز كمال أتاتورك، ومصدق، ونهرو، وتيتو، وعبد الناصر. ولكن ظل هناك حلم كُردي بدولة مُستقلة. وظل هناك ما يربو على ثلاثين مليون كُردي موزعين بين جنوب تركيا وشمال العِراق، وشرق سورية، وشمال غرب إيران، وهم جميعاً يشتركون في ذلك الحلم.
    أكثر من ذلك، فقد رأوا أو سمعوا، أو قرأوا عن شعوب أخرى مُعاصرة، كان لديها أحلامها القومية في الانفصال والاستقلال عن كيانات أخرى أكبر. من هؤلاء الاسكتلنديون في المملكة المتحدة، والباسك في أسبانيا، والتشيك والسلوفاك في تشيكوسلوفاكيا، والجنوبيون في السودان. وأخيراً، الكاتلان في شمال أسبانيا. والكُرد أو الأكراد ليسوا أقل ولا أفضل من أولئك، ومن حقهم أن يكون لهم دولتهم المُستقلة.
ولكن السؤال هو كيف يتم تحقيق الحلم بلا دِماء تسيل، وبلا حروب تشتعل. ويعتقد هذا الكاتب وآخرون أن ثمة صيغة أو أكثر للتوفيق بين أحلام أصحاب العِرقيات والقوميات بوسائل سِلمية ديمقراطية. ومن بين تِلك الصيغ والوسائل الدولة الكونفدرالية والفيدراليات، وليكن لنا في التجربة الأوروبية خير مِثال. فبين القرنين السابع عشر والعشرين، خاضت البُلدان الأوروبية حروباً شتى على الحدود والموارد والنفوذ. ولكن عبقرية عدد من الآباء الأوروبيين الفرنسيين والألمان هدتهم إلى تجربة اتحاد الحديد والفحم بين ألمانيا وفرنسا في الخمسينيات، والتي تطورت إلى السوق الأوروبية المُشتركة في الستينيات، ثم إلى الاتحاد الأوروبي في السبعينيات، والذي انضمت إليه طواعية أكثر من عشرين دولة، وأصبح بذلك أكبر وأغنى تكتل اقتصادي – سياسي في العالم. وكان ضمن حِكمة الآباء المؤسسين لتِلك التجربة الأوروبية الفذة ـ التدرج والديمقراطية.
فلم يقفز الأوروبيون مرة واحدة إلى ذلك الاتحاد، وإنما فعلوا ذلك تدريجياً- خطوة، خطوة. ومع كل نجاح جُزئي في خطوة، يتشجعون إلى اتخاذ الخطوة التي تليها، اقتصادياً وسياسياً، وهكذا.
    كذلك حرص الآباء المؤسسون على أن توافق أغلبية مواطني كل دولة على الخطوة التالية. أي أن الأمر لم يقتصر القرار فيه على آراء وقرارات زُعماء تِلك الدول، حتى ولو كانوا مُنتخبين. وكانت الحِكمة في استفتاء واتخاذ رأي الشعوب، هو أن يكون ذلك مُلزماً للقيادات، وليس العكس.
من ذلك أيضاً أن الآباء المؤسسين تركوا الباب مفتوحاً للحكومات والشعوب الأعضاء في التجربة الأوروبية لتغيير رغباتهم، والانفصال عن الاتحاد الأوروبي. أي أن دخول الاتحاد كان بالإرادة الحُرة لشعب كل بلد أوروبي. وكذلك اشترطوا أن يكون الخروج من ذلك الكيان الجماعي بنفس الإرادة الحُرة لأغلبية كل بلد عضو في الاتحاد. ومن ذلك ما رأيناه العام 2016 من قرار معظم البريطانيون بالخروج من الاتحاد الأوروبي، فيما عُرف بالبركسيت (Brexit). بنفس الإرادة الحُرة لأغلبية مواطني المملكة المتحدة (بريطانيا) ووضع الأباء المؤسسين لوائح تفصيلية لإجراءات الخروج السِلمي من الاتحاد.
فحبذا لو اجتمعت إرادة زُعماء تركيا وإيران والعِراق وسورية، على قواعد مُماثلة، فيكون في ذلك دواء وشفاء لكل المجموعات العِرقية في البُلدان الأربعة المحورية لمنطقة غاية في الأهمية، وهي الشرق الأوسط، الذي يوجد فيه أكبر مخزون نفطي في العالم، والذي تحتوي بُلدانه على أهم منافذ ومضايق بحرية في العالم، والذي يتنبأ دارسو العلاقات الدولية، أنه إذا كان لحرب عالمية ثالثة، وأخيرة أن تنشب، فإنها ستكون في هذه المنطقة من العالم، أولاً، ثم منطقة المُحيط الهادي، ثانية، حيث الصين وكوريا واليابان. ومثل تِلك الحرب إذا انفجرت، لا قدر الله، فربما تكون نهاية البشرية!
اللهم فقد حذرنا، اللهم فليسمع أصحاب القرارات في بلادنا.
وعلى الله قصد السبيل

التعليق