الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط وآسيا: تحوُّل في التحالفات العسكرية؟

تم نشره في الثلاثاء 17 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • خريطة "الشرق الأوسط الجديد" التي تعيد رسم حدود دول المنطقة - (أرشيفية)

مايكل تشوسودوفسكي - (غلوبال ريسيرتش) 30/9/2017

 ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ثمة تحول عميق يحدث في التحالفات الجيوسياسية، والذي يميل إلى تقويض الهيمنة الأميركية في منطقة آسيا الوسطى والشرق الأوسط الأوسع، وكذلك في جنوب آسيا. ويبدو أن العديد من أقوى حلفاء أميركا قد "غيروا الاصطفافات". ويعيش كل من حلف الناتو ومجلس التعاون الخليجي في أزمة.
تركيا والناتو
تعاني منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) من انقسامات عميقة، ناتجة إلى حد كبير عن المواجهة الجارية بين أنقرة وواشنطن.
في الوقت الراهن، تنخرط تركيا -القوة ثقيلة الوزن في حلف الناتو- في قتال ضد المتمردين الأكراد المدعومين من الولايات المتحدة فى شمالي سورية -أي أن الولايات المتحدة، التي هي دولة عضو في الناتو، تقوم بدعم وتمويل المتمردين الأكراد الذين يقاتلون دولة عضواً في الناتو.
وبينما تبقى تركيا رسمياً عضواً في حلف الناتو -وتمتلك نظاماً متكاملاً ومنسقاً للدفاع الجوي- قامت حكومة أردوغان بشراء نظام الدفاع الجوي الروسي، S400، المقرر استخدامه ضد وكلاء الولايات المتحدة في شمال سورية.
ويعني ذلك أن دولة عضواً في حلف شمال الأطلسي تستخدم حالياً نظام الدفاع الجوي لعدو للولايات المتحدة/ الناتو، ضد المتمردين الذين تدعمهم الولايات المتحدة والناتو.
وفي هذا السياق، أرسلت تركيا قوات إلى شمال سورية بهدف ضم جزء من الأراضي السورية في نهاية المطاف. وفي المقابل، عقدت موسكو وأنقرة تحالفاً للمصالح.
من جهتها، تؤيد إسرائيل بقوة إقامة دولة كردية في العراق وشمال سورية، وهو ما يشكل نقطة انطلاق لإقامة "إسرائيل الكبرى". وتدرس تل أبيب نقل أكثر من 200 ألف من الأكراد اليهود إلى إقليم كردستان العراق من إسرائيل.
وفي المقابل، أصبح اتفاق التعاون العسكري الثنائي بين تركيا وإسرائيل معرضاً للخطر. وغني عن البيان أن هذه التطورات أدت أيضاً إلى تعزيز التعاون العسكري الأميركي–الإسرائيلي، بما في ذلك إنشاء قاعدة عسكرية أميركية في إسرائيل.
وفي الوقت نفسه، أقامت تركيا روابط أوثق مع إيران، مما يسهم في نهاية المطاف في تقويض استراتيجيات الولايات المتحدة وحلف الناتو في الشرق الأوسط الأوسع.
الشرق الأوسط الجديد
تتمثل استراتيجية واشنطن في زعزعة استقرار وإضعاف القوى الاقتصادية الإقليمية في الشرق الأوسط، بما في ذلك تركيا وإيران. وترافق هذه السياسة أيضا عملية تجزئة سياسية (انظر الخريطة المرفقة). ومنذ حرب الخليج (1991)، تفكر وزارة الدفاع الأميركية في إنشاء "كردستان حرة"، وهو ما سيعني ضم أجزاء من العراق وسورية وإيران، وكذلك تركيا، كما هو موضح في الخريطة أعلاه. ولكن، في ظل هذه الظروف، هل ستبقى تركيا عضواً نشطاً في الناتو؟
قطر والمملكة العربية السعودية
أدى الحصار الاقتصادي الذي فرضته المملكة العربية السعودية ضد قطر إلى حدوث خلل في التحالفات الجيوسياسية، على نحو أدى إلى إضعاف الولايات المتحدة في منطقة الخليج. ويبدو مجلس التعاون الخليجي منقسماً بشكل كبير، مع انحياز دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين إلى السعودية ضد قطر. وبدورها، تحظى قطر بدعم عُمان والكويت. وغني عن البيان أن دول مجلس التعاون الخليجي التي كانت حتى وقت قريب أقوى حلفاء أميركا في الشرق الأوسط ضد إيران، أصبحت تعيش حالة من الفوضى الكاملة.
وفي حين أن أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط تقع في قطر، فإن للحكومة القطرية علاقات وثيقة مع إيران. وعلاوة على ذلك، جاءت طهران لإنقاذها في أعقاب الحصار السعودي.
في حين أن لدى القيادة المركزية الأميركية (أوسنتكوم) مقرها في قاعدة عسكرية أميركية خارج الدوحة، فإن الشريك الرئيسي لدولة قطر في صناعة النفط والغاز، بما في ذلك خطوط الأنابيب، هو إيران. وفي المقابل، تشارك روسيا والصين بنشاط في صناعة النفط والغاز القطرية.
تتعاون إيران وقطر بنشاط في استخراج الغاز الطبيعي البحري بموجب هيكل مُلكية مشترك بين قطر وإيران. وتمتاز هذه الحقول للغاز البحري بقيمتها الاستراتيجية، وهي تشكل أكبر احتياطيات للغاز البحري في العالم، والتي تقع في الخليج العربي.
وبعبارات أخرى، في حين أن قطر تتعاون بنشاط مع إيران، فإن لديها اتفاق تعاون عسكري مع الولايات المتحدة، والذي يتوجه في الواقع ضد إيران. والقيادة المركزية الأميركية التى تتخذ من قطر مقراً لها هي المسؤولة عن العمليات العسكرية ضد أعداء الولايات المتحدة والناتو، بمن فيهم إيران التى تعتبر الشريك الرئيسي لدولة قطر فى صناعة النفط والغاز. ويتسم هيكل هذه التحالفات الشاملة بالتناقض. فهل ستسعى الولايات المتحدة إلى تغيير النظام في قطر؟ يلاحظ في الأثناء أن تركيا أنشأت أيضاً قاعدة عسكرية في قطر.
لهذه التحالفات الجديدة أيضاً تأثير مباشر على مسارات خطوط أنابيب النفط والغاز. فقد تخلت قطر عن مشروع خط الأنابيب الذي يمر عبر المملكة العربية السعودية والأردن (الذي دعمته تركيا مبدئياً) لصالح خط الأنابيب الذي يبدأ في إيران من أصالوية عبر إيران والعراق وسورية، وتدعمه روسيا.
تعززت السيطرة الجيوسياسية الروسية على خطوط أنابيب الغاز المتجهة إلى أوروبا نتيجة الحصار السعودي. وفي المقابل، من المقرر أن تقوم قطر بدورها بدمج خطوط الأنابيب التي تربط إيران بباكستان والصين عبر ميناء أصالوية الإيراني.
باكستان، والهند، ومنظمة شانغهاي للتعاون
ثمة تحول كبير آخر حدث في العلاقات الجيوسياسية، والذي له تأثير عميق على الهيمنة الأميركية في كل من وسط وجنوب آسيا.
في 9 حزيران (يونيو) 2017، أصبحت كل من الهند وباكستان عضوين في منظمة شنغهاي للتعاون، المنظمة الاقتصادية والسياسية والأمنية المتبادلة الأوراسية، التي تسيطر عليها الصين وروسيا إلى حد كبير. وغني عن البيان أن عضوية الهند وباكستان في منظمة شانغهاي للتعاون تؤثر على اتفاقيات التعاون العسكري مع الولايات المتحدة.
وفي حين أن منظمة شانغهاي للتعاون، التي مقرها بكين، ليست "تحالفاً عسكرياً" بشكل رسمي، فإنها تعتبر بمثابة "ثقل موازن" جيوسياسي واستراتيجي للولايات المتحدة/الناتو وحلفائهما. وخلال السنوات القليلة الماضية، وسعت المنظمة تعاونها في الشؤون العسكرية والاستخبارات. وأقامت المناورات الحربية تحت رعاية منظمة شانغهاي للتعاون. وباعتبار باكستان والهند عضوين كاملين، أصبحت المنظمة تحتوي على منطقة واسعة، والتي تضم الآن نصف سكان العالم تقريباً.
توسيع منظمة شانغهاي
ليس الإعلان المتزامن عن عضوية البلدين الكاملة في منظمة شانغهاي شأناً رمزياً فحسب، وإنما تشكل عضويتهما تحولاً تاريخياً فى المواقف الجيوسياسية التي تؤثر عملياً وبحكم الأمر الواقع على هيكل الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية. وعلاوة على ذلك، فإن لها تأثيرا أيضاً على الصراع الداخلي بين الهند وباكستان، والذي يعود وراء إلى زمن استقلال البلدين.
ولا شك في أن هذا التحول التاريخي يشكل ضربة حتمية ضد واشنطن التي لديها اتفاقات دفاعية وتجارية مع كل من باكستان والهند.
وبينما ما تزال الهند متحالفة بصرامة مع واشنطن، فإن القبضة السياسة الأميركية على باكستان (من خلال الاتفاقات العسكرية والاستخباراتية) قد أُضعِفت نتيجة لصفقات التجارة والاستثمار الباكستانية مع الصين، ناهيك عن انضمام كل من الهند وباكستان إلى منظمة شانغهاي للتعاون، والذي سيعطي الأفضلية لإقامة العلاقات الثنائية بين البلدين، فضلاً عن التعاون مع روسيا والصين وآسيا الوسطى على حساب الروابط التاريخية مع الولايات المتحدة.
وبعبارات أخرى، فإن هذا التوسع في منظمة شانغهاي للتعاون يضعف طموحات أميركا إلى الهيمنة، في كل من جنوب آسيا والمنطقة الأوراسية الأوسع. كما أن لها تأثيرا على طرق خطوط أنابيب الطاقة وممرات النقل والحدود والأمن المتبادل والحقوق البحرية.
مع تطور العلاقات الثنائية الباكستانية مع الصين، تم منذ العام 2007 وبشكل لا يمكن إنكاره تقويض قبضة الولايات المتحدة على السياسة الباكستانية -والتي اعتمدت إلى حد كبير على الوجود العسكري الأميركي، فضلاً عن صلات واشنطن بمؤسسة المخابرات العسكرية الباكستانية. وينبغي أن تسهم العضوية الكاملة لباكستان فى منظمة شانغهاي للتعاون وروابطها مع الصين وإيران في تعزيز سلطات حكومة إسلام أباد.
ملاحظات ختامية
يخبرنا التاريخ بأن هيكل التحالفات السياسية هو أمر أساسي. وما يتكشف الآن هو عبارة عن سلسلة من التحالفات المتقاطعة والمتناقضة، سواء "مع" الولايات المتحدة، أو "ضد" الولايات المتحدة. ونحن نشهد تحولات في التحالفات السياسية والعسكرية التي تسهم إلى حد كبير في إضعاف الهيمنة الأميركية في آسيا والشرق الأوسط.
هل تكون تركيا عازمة على الانسحاب من الناتو؟ لا شك في أن علاقتها الثنائية مع واشنطن تمر في حالة من الفوضى. وفي الوقت نفسه، لم يعد مجلس التعاون الخليجي الذي يشكل حليف أميركا الأقوى في الشرق الأوسط فعالاً. ولم يقتصر الأمر على تحالف قطر مع إيران فحسب، بل إنها تتعاون بنشاط مع روسيا أيضاً.
وفي المقابل، تتأثر اتفاقيات التعاون العسكري الثنائية بين باكستان والهند بعد انضمام الدولتين إلى منظمة شانغهاي للتعاون التي تعتبر تحالفاً عسكرياً بحكم الواقع، والذي تسيطر عليه الصين وروسيا.

*رئيس مركز أبحاث العولمة في مدينة مونتريال الكندية. يعتبر كتابه "عولمة الحرب: حرب أميركا الطويلة على الإنسانية" واحداً من أهم الكتب الصادرة في السنوات الأخيرة عن الوضع العالمي المعاصر. ويُظهر فيه كيف أن الصراعات المختلفة التي نشهدها اليوم في أوكرانيا وسورية والعراق وفلسطين هي في الواقع مترابطة ومتشابكة من خلال جدول أعمال أحادي النظرة، سعياً وراء الهيمنة العالمية التي تتصدرها الولايات المتحدة ويدعمها حلفاؤها في الغرب وفي مناطق أخرى من العالم.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: Middle East and Asia Geopolitics: Shift in Military Alliances?

التعليق