أميركا في عين السينما

تم نشره في الأربعاء 18 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • مشهد من فيلم "المؤسس" - (أرشيفية)

رشا سلامة

عمّان- لا تكاد مناقشة صورة أميركا سينمائياً تخرج عن واحدة من ثلاث، وتحديداً في الأعوام الأخيرة: الحلم الأميركي بكل ما يضمه تحت مظلته من حكايات، وتعامل بلاد العم سام مع قضية السود وهو الطرح الذي انتعش سوقه منذ تولي الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما مقاليد الحكم، والأفلام التي رافقت حرب العراق وانتهت تقريباً بمغادرة تلك البلاد.
لعل آخر الأفلام التي ناقشت الثيمة الأولى كان "المؤسِس" الذي يتحدث عن نشأة إمبراطورية "ماكدونلدز" التي باتت ترمز للهيمنة الأميركية على العالم، وهو ما ذهب إليه بطل الفيلم مايكل كيتون الذي تمنى أن تصبح إشارة مطعمه مكمّلة لإشارتيّ العلم الأميركي والكنيسة، والذي ما انفكّ يربط بين تأسيس مطعمه وتأسيس أميركا بكل ما يحفل به هذا القول من رمزية عالية؛ إذ كلا الطرفين قاما على أنقاض الآخر الذي جرى إقصاؤه عن المشهد بطرق شتى: أميركا على أنقاض الهنود الحمر وماكدونلدز على أنقاض شريكين كان لهما قصب السبق في الفكرة.
الفيلم الذي أخرجه جون لي هانكوك خرج من نمطية تناول قصص كفاح أصحاب الإمبراطوريات التجارية، من خلال استعراضه الوسائل المشروعة وغير المشروعة التي سلكها إبّان التأسيس فالتوسّع.
أفلام عدة ناقشت الحلم الأميركي في السينما العالمية لعل على رأسها "السعي للسعادة"، وأفلام أخرى انتقدت إفراط متّبعي الحلم الأميركي في العملية على حساب الروحانيات كما في "أكل، صلاة، حب" وغيرها، ليترجم الآنف كله أيديولوجية جيمس ترسلو آدمز حين عرّف هذا الحلم بـ "الذي يعد بحياة أفضل وأغنى، مع تأمين فرصة لكل شخص على أساس قدراته وإنجازاته".
البند الآخر كان ذاك المتعلق بقضية ترافع العِرق الأسود عن حقه الذي غُمِطَ بشكل سافر في العقود الماضية، والذي ناقشته أفلام عدة، لعل آخرها "مملكة متحدة" للمخرجة آما أسانتي، التي استعرضت حكاية تاريخية عن جمهورية بتسوانا التي تزوج ملكها من امرأة بريطانية بيضاء، لتتوالى العقوبات السياسية والاجتماعية عليه حد النفي.
لعل الفرادة التي ينطوي عليها هذا العمل تقديمه للخطاب العنصري من دون نمطية الرجل الأبيض المتعصب لعرقه فحسب، بل والأسود الذي يرفض محاولات مد اليد له في مرات كثيرة، وإن كان هذا مفهوماً نوعا ما في سياق الحكاية؛ إذ تقبع هذه البلاد الإفريقية تحت وصاية البريطانيين، ما جعلهم يفسرون الأمر بأن الاستعمار وصل حد المرأة التي ستكون شريكة في الحكم عليهم مع زوجها.
أفلام عدة ضمتها هذه الموجة التي تترافع عن العِرق الأسود، من بينها فيلم يتناول سيرة مانديلا، من دون تمجيد مفرط بل بقدر عالٍ من الحيادية في الطرح، لدى المخرج جاستن تشادويك، وفيلم "سلمى" الذي يتحدث عن مارتن لوثر كينغ، للمخرجة آفا دوفرنيه.
"ذا بتلر" للمخرج  لي دانيالز كان من بين الأفلام التي خلدت قضية العِرق الأسود من خلال حكاية كبير الخدم في البيت الأبيض، والذي يأتي يوم ما ليرى فيه جماعته تُنصَف حد إمساكها بمقاليد الحكم.
فيلم "12 عاماً من العبودية"، لمخرجه ستيف ماكوين، كان من بين الأفلام التي تحدثت عن حكاية إنسانية تروي تفاصيل العبودية في أميركا، ليأتي فيلم "ذا هيلب" ليناقش منع السود من استخدام مراحيض البيض.
لا يراهن السود على أهمية الحكاية المسرودة في الفيلم فقط ويركنون للراحة، بل يولون التفاصيل أهمية كبرى بدءاً من السينوغرافيا وليس انتهاء بالحرص على عوامل مساندة مثل الموسيقى التصويرية والأغاني المصاحبة للمَشاهِد ودمج اللقطات التسجيلية بالتمثيلية لإحداث هزة أكبر لدى المتلقّي.
لا يملك المتابع سوى رفع القبعة عالياً للعِرق الأسود، الذي ناضل وانتزع حقوقه بإصرار على الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبّدها، وفي الوقت ذاته لإصراره، بمجرد أن أتيحت الفرصة سينمائياً، أن يعود ويضخ الدماء في عروق مأساته بعد مرور عقود على تسوية الأمر مع البيض، وهو ما يفتقر إليه العربي، الذي ما يزال حتى اللحظة تحت جلدات المحتل والطغاة، لكنه ليس غائباً عن السينما العالمية فحسب، بل لا يكلف نفسه متابعة التجارب الثورية والسينمائية مع من يشبهونه من مضطهدين في أرجاء العالم.
عربياً أيضاً، بقيت معالجة صورة أميركا إما محدودة رغم تميزها، كما في "تايه في أميركا" و"هالو أميركا" و"أميركا شيكا بيكا" التي ناقشت جميعها قضية الحلم الأميركي، أو قاصرة عن معالجة الحدث كما في "ليلة سقوط بغداد" و"ليلة البيبي دول" عند الحديث عن احتلال العراق، على سبيل المثال لا الحصر.

التعليق