سورية: الغموض سيد الموقف

تم نشره في الخميس 19 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 12:04 صباحاً

بعد أن شارف الصراع العسكري في سورية على نهاياته، فإن هناك غموضاً يكتنف العملية السياسية، وملف إعادة الإعمار.
روسيا تريد أن تنهي الأزمة السورية بأسرع وقت ممكن لتعظيم مكاسب نجاحاتها العسكرية، ولتجنب التورط في إبقاء قواتها العسكرية في سورية لفترة زمنية طويلة، ولأسباب تتعلق بالكلفة، وأخرى ترتبط بتقليل الخسائر البشرية أو تجنبها للكلفة السياسية لمثل سيناريو كهذا.
أدار الروس الملف العسكري باقتدار وجدارة وبخاصة في مواجهة المنظمات الإرهابية، وعلى رأسها "داعش"، واستطاعت روسيا من خلال اللقاءات في "أستانة" أن تتوصل للكثير من التفاهمات مع القوى المحلية لوقف إطلاق النار، وتحقيق الاستقرار، ولكن الكل يعرف أن هذه الانتفاضات التي أخذت طابع التفاهمات العسكرية لا يمكن أن تكون بديلاً من تسوية سياسية والتي كان مسارها في جنيف بمشاركة الأطراف الدولية والإقليمية كافة، إضافة للأطراف السورية ذات العلاقة. فهل كانت "جنيف" ضحية "أستانة"؟ الاحتمال الأول هو أن الروس تعمدوا إفشال  مسار "جنيف" بالتركيز على "أستانة" أو أن نجاح مسار" أستانة" الذي شاركت به الأطراف السورية والدول الإقليمية أدى إلى إضعاف مسار "جنيف". مع أنني أرجح الاحتمال الثاني، إلا أن الاحتمال الأول لا يمكن استبعاده.
أزمة روسيا في سورية تكمن في كيفية ترجمة نجاحاتها العسكرية وتفاهماتها الى مسار سياسي مقبول من جانب، وإعادة إعمار سورية من جانب آخر.
أما في ما يختص بالمسار السياسي، فتواجه سورية أزمة عدم اهتمام الولايات المتحدة وأوروبا أو عدم قدرتها على التأثير في العملية السياسية، وذلك لغياب الأدوات داخل سورية التي تمكنها من ذلك. كذلك فالانسحاب السعودي من الأزمة السورية أو من المسار السياسي التي شكلت في السابق رافعة أساسية للمعارضة السورية أيضاً يضعف فرص الحل السياسي. استراتيجية الولايات المتحدة في زمن أوباما وترامب تركزت على محاربة "داعش" والتنظيمات المتشدة، وعملت على ذلك من خلال التحالف الدولي والتحالف مع الأكراد. وقد أعلنت سابقاً بأن رحيل الأسد لم يعد شرطاً للحل السياسي، وعليه، فإن الانخراط السياسي في الأزمة السورية فقد زخمه والشيء نفسه ينطبق على أوروبا والسعودية ودول أخرى، والمحصلة جمود على المسار السياسي.
الملف الثاني الذي يقلق سورية هو إعادة الإعمار. لقد خلفت الحرب في سورية دماراً هائلاً للبنية التحتية الذي يحتاج لعشرات المليارات إن لم يكن المئات منها. روسيا والحلفاء الإقليميون لا يمتلكون المال اللازم لذلك، ولا يمكن أن تتم عملية إعادة الإعمار من دون أوروبا والدول الفاعلة بها كفرنسا وألمانيا ومن دون الولايات المتحدة ودول الخليج بعامة والسعودية بخاصة. ولكن ما هو الحافز لهذه الدول للمشاركة بإعادة الإعمار؟ الحافز الرئيس إضافة الى الحافز المادي، هو عملية انتقال سياسي تؤدي الى سورية ديمقراطية.
ولكن بغياب المسار السياسي - جنيف - فمن الصعب تصور مشاركة هذه الدول بإعمار سورية لتثبيت هيمنة النظام وإيران وحزب الله وروسيا، ومن ثم  ليس من المتوقع أن نرى زخماً باتجاه هذا الملف أيضاً.
كل أطراف الأزمة السورية الآن في أزمة بالنسبة لمستقبل سورية، ولا يمكن الخروج منها او حلها دون العمل الجماعي الذي لا يبدو أنه بالأفق القريب، الأزمة الأكبر هي من نصيب روسيا، لأنها لا تستطيع أن تلملم أوراقها وترحل، وهي تريد أن تقطف ثمار تدخلها في سورية الذي لا يمكن أن يتم من دون حل سياسي للأزمة السورية.

التعليق