مستقبل أوروبا بعد الانتخابات الألمانية

تم نشره في الأربعاء 18 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون - (أرشيفية)

غاي فيرهوفشتات*

بروكسل –  ما من شك في أن نتائج الانتخابات الفيدرالية الأخيرة التي جرت في ألمانيا مهمة للغاية. وكما هو ملحوظ،  فقدت الأحزاب التي هيمنت على السياسة الألمانية منذ سنوات - الحزب الديمقراطي الاشتراكي والاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU)، بالإضافة إلى حزبها الشقيق البافاري، الاتحاد الاجتماعي المسيحي- الدعم في صناديق الاقتراع.
وكانت حملات الانتخابات الداخلية للحزب الديمقراطي الاشتراكي والاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي تبدو مثيرة للقلق بشكل كبير. وشملت المواضيع التي نوقشت على نطاق واسع حظر الديزل المقترح، والسياسات الضريبية، ورسوم الإيجار، وقضايا الأمن الداخلي. نعم، هذه هي الأمور المهمة وذات الصلة بالنسبة للناخبين الألمان. ولكن، عندما يتعلق الأمر بالتحديات الأكثر إلحاحاً والتي تواجه الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، كانت الأحزاب الرئيسية في ألمانيا صامتة إلى حد كبير.
وهذه التحديات متعددة. فالمملكة المتحدة تتفاوض بشأن خروجها من الاتحاد الأوروبي، وهناك شكوك عميقة حول ما ستبدو عليه العلاقة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي في المستقبل. كما يحتاج الاتحاد الأوروبي بشدة إلى منع المزيد من التدهور في الديمقراطية وسيادة القانون في بولندا والمجر. وما يزال يتعين عليه إيجاد حل طويل الأجل لأزمة الهجرة واللاجئين. وعليه أن يواجه التحديات الأمنية الناجمة عن الإرهاب، وروسيا الحاكمة، وأميركا التائهة في ظل الرئيس دونالد ترامب. وفي الوقت نفسه، وفي حين تظهر علامات النمو في منطقة اليورو، ما يزال يتعين استعادة انتعاشها في نهاية المطاف.
سوف تحدد كيفية معالجة هذه القضايا (أوعدم معالجتها) مستقبل أوروبا ووضع ألمانيا فيها. ويجب على القادة الألمان أن يناقشوها بشكل أوسع عندما يقومون بحملات في استوديوهات التلفزيون وقاعات المؤتمرات والفصول الدراسية وشوارع المدينة. وفي واقع الأمر، سوف يساعد فشل الحزبين الكبيرين في القيام بذلك في تفسير سبب فقدانهما الدعم. ومن خلال معالجة المشاكل الصغيرة وتجنب القضايا الكبيرة، خلق الحزب الديمقراطي الاشتراكي والاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي فراغاً كبيراً. وكان القوميون الشعبويون من اليمين المتطرف لحزب "البديل من أجل ألمانيا" سعداء لملء هذا الفراغ، واستولوا على 13 % من الأصوات.
لتجنب هيمنة هذه العناصر غير الليبرالية، سيتعين على أوروبا تنيفذ إصلاحات ذات أهمية. والطريقة الوحيدة للقيام بذلك بالنسبة لأولئك الذين ما يزالون يدعمون الديمقراطية الليبرالية في أوروبا هي ضم القوى معى.
عندما تم الإبلاغ عن نتيجة الانتخابات الألمانية، سرعان ما استنتج العديد من المحللين أن النتيجة بمثابة ضربة قاضية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وخطته لتعزيز المشروع الأوروبي. ولكنني أختلف مع هذا التقييم. فحتى لا ننسى، كان وزير المالية الألماني من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، فولفغانغ شوبل، وراء معظم الإصلاحات المقترحة في منطقة اليورو على مدى العقد الماضي.
وهناك طريقة أخرى للنظر إلى نتائج الانتخابات الألمانية، والتي تتمثل في إتاحة فرصة لبداية جديدة. ويمكن أن يعني إنهاء "الائتلاف الكبير" للحزب الديمقراطي الاشتراكي والاتحاد الديمقراطي المسيحي إنهاء الركود السياسي -ليس في ألمانيا فحسب، وإنما على المستوى الأوروبي أيضاً.
الآن، تجري مفاوضات الائتلاف الألمانية في مرحلة ما بعد الانتخابات. ومع أن الحزب الديمقراطي الاشتراكي قرر عدم الانضمام إلى الحكومة، فإن النتيجة الأكثر ترجيحاً هي تحالف "جامايكا" (المسمى بألوان علم ذلك البلد)، الذي يضم الاتحاد المسيحي الديمقراطي، (الحزب الديمقراطي الحر)، والخضر. ومن المتوقع أن تضم الحكومة الألمانية المقبلة سياسيين مؤيدين لأوروبا، وأفكاراً جديدة واستعداداً لدفع الإصلاحات على المستوى الأوروبي، ربما على غرار ما اقترحه ماكرون.
وفي هذه الحالة، يمكن لفريق جديد من القادة أن يكون قوة دافعة تشكل دور ألمانيا في أوروبا لسنوات قادمة.
مثل ماكرون، يهدف الحزب الديمقراطي الحر إلى جعل أوروبا أكثر ديمقراطية: فهو يدعم قوائم المرشحين عبر الوطنية للانتخابات على مستوى الاتحاد الأوروبي؛ ويريد التئام المواطنين الأوروبيين حول اتفاقيات ديمقراطية في الدول الأعضاء. ويدفع الحزب الديمقراطي الحر أيضاً من أجل قواعد أوروبية مشتركة بشأن الهجرة، ومن أجل حدود مشتركة وحرس سواحل. ويدعم إنشاء مكتب التحقيقات الاتحادي الأوروبي لتنسيق مكافحة الإرهاب.
إن زعيم الحزب الديمقراطي الحر، كريستيان ليندنر، على حق حين قال بأن قواعد ميثاق الاستقرار والنمو في الاتحاد الأوروبي يجب احترامها، وأن إنفاق أموال دافعي الضرائب من دون المساءلة المناسبة في الميزانية لن يغذي إلا القوى الشعبوية والقومية مثل حزب البديل من أجل ألمانيا. ولحسن الحظ، لا تتعارض توقعاته في هذا الصدد مع ماكرون. وكلاهما يوافقان على أن أوروبا تحتاج إلى إدارة أفضل تستند إلى مجموعة من القواعد المالية المطبقة باستمرار وإلى الاستثمارات المعززة للنمو.
وهذه لحظة حاسمة بالنسبة لأوروبا. نحن الأوروبيون بحاجة إلى إيجاد حلول للمشاكل المشتركة، ونحن بحاجة إلى ألمانيا وفرنسا لقيادة الطريق. إن المحور الفرنسي الألماني الذي دفع التكامل الأوروبي إلى الأمام في الماضي يجب أن يفعل ذلك مرة أخرى. وأنا واثق من أن حكومة ائتلافية جديدة في ألمانيا سوف تكون قادرة على العمل مع فرنسا لبناء اتحاد سياسي واقتصادي أوثق. وسيكون جعل الاتحاد الأوروبي أكثر ديمقراطية هو السبيل الوحيد لرد المد القومي الذي كان المشروع الأوروبي يهدف إلى منعه.

*رئيس الوزراء البلجيكي السابق، ورئيس تحالف الليبراليين والديمقراطيين لمجموعة أوروبا (ألد) في البرلمان الأوروبي، ومؤلف "فرصة أوروبا الأخيرة: لماذا يجب على الدول الأوروبية تشكيل اتحاد أكثر مثالية؟".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق