بكامل الصورة ننجو من الإحباط والتهور! (2-1)

تم نشره في الخميس 19 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

أسامة شحادة

 تسيطر على الكثير من الناس مشاعر غضب وإحباط قد تتحول إلى تهور بسبب تراكم الأخبار السلبية بكثافة يومياً، وقد ساهمت تكنولوجيا الاتصالات والإعلام بتضخيمها من جهة، وبثّ الأراجيف من جهة أخرى من قِبل منظومات إعلامية متعددة ببثّ هذه الأخبار عمداً لكسب أنصار لأجندتها أو خلخلة التوازن الفكري لمن لا يقبل أجندتها، وبالنتيجة تشيع حالة من التشوش والاضطراب في الرؤية لدى قطاع واسع من الناس.
تزعم هذه الرؤية المشوشة للواقع بأن الأمة المسلمة اليوم قد انهارت واضمحلت ولم يعد للخير فيها وجود، وأن الهزيمة قد حلت أو على وشك أن تحلّ، وبأنه لا فائدة من أي عمل أو جهد، فهذه الأجيال ضائعة خلف المباريات والمهرجانات، وذلك لأن الفساد يتغلغل في كل مكان، والحرب على الإسلام ومقدساته الشغل أصبحت الشاغل لكثير من الساسة والشاشات في الداخل والخارج، وها هي أحلام الشعوب بالحرية والنهضة تتبخر، وهكذا في موال عريض من جمع السلبيات والنقائص والمفاسد والمصائب والنظر لها عبر عدسة محدبة تضخم الأشياء أكبر من حجمها الحقيقي.
نعم، هناك شرور كثيرة في مجتمعاتنا ومؤسساتنا، ولكن السؤال المركزي هو: هل كانت أوضاعنا العامة من قبل أفضل والآن ساءت؟ أم أن أحوالنا كانت سيئة واليوم هي أقل سوءًا؟ وهل هذه الشرور والمفاسد هي كل المشهد؟ أم هي جزئيات وتفصيلات تم تضخيمها وإعطاؤها أكبر من حجمها، بينما كامل الصورة للواقع الفعلي هو أفضل بكثير مما نتخيل؟
إن التعامل بوعي وعقل مفتوح مع هذه الأسئلة هو مقصد هذا المقال عبر استعراض الماضي والحاضر في جوانب متعددة، والمخاطَب بهذا المقال هم الغالبية من الناس التي تؤمن بالإسلام كمنهج حياة ودين ولو كانوا مقصّرين في الالتزام الديني، أما من اتخذ إلهه هواه عبر الأيدلوجيات الوضعية فقد يسوؤهم كلامي ولا يسعدهم!
فقبل عقود قليلة كان الجهل بالدين هو السائد، والرائج بين الناس الشعوذة والخرافة التي تتستر بعمامة وتشعل البخور لنشر الدجل باسم التصوف وحفلات الزار وعلاج الأمراض بالطلسمات والسخافات كما صور ذلك يحيى حقي في روايته "قنديل أم هاشم"!
وقبل عقود قريبة كانت أركان الإسلام من الصلاة والصوم والزكاة والحج شبه منعدمة بين المسلمين، فالمساجد خاوية إلا من بضعة مسنّين متقاعدين، أما الصوم والزكاة فلا يكاد يكون لهما واقع بين الناس، والحج كان نادرا لا يقوى عليه إلا الأتقياء من الأغنياء الأقوياء!
وقبل عقود كذلك لم تكن صلاة التراويح في المسجد الحرام بمكة يكتمل فيها 3 صفوف حول الكعبة وبقية صحن الكعبة كان مفروشا بالحصى للراحة والجلوس! فكيف هو الحال في بقية مساجد العالم؟
أما اليوم فبرغم كل التحديات والحروب على أمة الإسلام إلا أن الصلاة والصوم والحج والزكاة أصبحت من الشيوع والذيوع بمكان، فالمساجد تنتشر في كل مكان ولا تكفي حاجة المصلين والقائمين والمعتكفين، والمسجد الحرام برغم كل التوسعات التي جرت فيه وتعدد الطوابق لا يكاد يستوعب الملايين من المصلين والطائفين في موسم الحج وشهر رمضان ومواسم الإجازات من كل الدول والبلاد.
فقد أقبلت كل الشرائح العمرية والثقافية ومن الرجال والنساء على وجه سواء لالتزام الصلاة والصيام وأداء الحج والعمرة وإخراج زكاة المال وزكاة الفطر حتى طمع في هذه الأموال هيئة الأمم المتحدة فأصبحت تطلب أن تكون من الجهات المستقبِلة للزكاة!
أما الحجاب الذي كاد أن يختفي في المدن وينحصر بين كبيرات السن في القرى والأرياف والبوادي في مرحلة المد الشيوعي والمادي، فقد عاد ليكون هو الشائع في مجتمعاتنا، فبعد أن كان من النادر وجود فتاة محجبة في الجامعة قبل عقود أخذ الحجاب ينتشر بين الطالبات وفي مختلف الكليات حتى أصبح سمة عامة، ثم أصبح النقاب والخمار منتشرا بشكل كبير ولم يكن عائقاً للكثير منهن للحصول على أرفع الدرجات العلمية وفي أدق التخصصات العلمية، وفي كل فترة نسمع عن منقبة أو مخمرة أو محجبة وقد توصلت لبراءة اختراع أو اكتشاف علمي أو جائزة علمية رفيعة من دول عربية وإسلامية متعددة.
وبعد عقود من الجهل والجمود والتقليد في علوم الشريعة شهدنا نهضة علمية شرعية تتمثل بانتشار الجامعات والمعاهد الشرعية على اختلاف تخصصاتها في ربوع بلاد المسلمين تنشر المعرفة والعلم وتحيي حركة الاجتهاد والتجديد، وظهرت المجامع الفقهية التي تضم كبار العلماء للتصدي للنوازل والمستجدات العصرية، وتكاثرت المنابر الإعلامية الدينية التي تثقف الجمهور العام بأحكام الدين وأخلاقه الراقية، وأصبح الكِتاب الإسلامي في طليعة الكتب الأكثر انتشارا وتوزيعاً.
وتسبب ذلك بانحسار تدين الخرافة والدروشة المرتبط بالموتى والأضرحة، ذلك التدين القائم على البدع والهرطقات من ادعاء علم الغيب والشفاء والنفع والضر للأموات مقابل تقديم الهبات والأعطيات لكهنة ومافيات الأضرحة والنذور.
واليوم لا يجد هؤلاء الدجالون من سند لهم في مقابل الوعي الديني الذي يرفض اتخاذ وسائط بينه وبين الله عز وجل ويرفض أكل أموال الناس بالباطل انصياعاً لعقيدة التوحيد وأوامر القرآن الكريم والسنة النبوية، لا يجدون مِن سند لهم إلا من مراكز الفكر الغربي وأرباب التنوير والحداثة في بلادنا! فمراكز التفكير الغربية توصي بدعم هذه الطرق الصوفية وإحياء الفلكلور الصوفي من غناء ورقص برغم ما تقوم به من سلوكيات مصادمة للعقل والمنطق الغربي نفسه! وبرغم ما تحمله من مفاهيم مصادمة للحداثة والمادية! لكنها البديل الأفضل عن التدين الصحيح الذي يعرقل المفاهيم والسلوكيات المناقضة للإسلام.
ولقوة الإسلام كدين وقوة التدين بين المسلمين اليوم -برغم سلبيات تدين البعض منهم-  يتصاعد اقبال غير المسلمين على الإسلام كما تكشف ذلك الإحصائيات العالمية، حيث يستقطب الإسلام عشرات ومئات الألوف من الناس للدخول فيه سنويا من مختلف الثقافات والجنسيات والخلفيات العلمية وإن لوحظ تزايد إقبال المتعلمين وأصحاب المناصب العليا للدخول فيه برغم أن ذلك قد يتسبب في تضرر مصالحهم الدنيوية! بل شهدنا أوبة عدد من كبار المثقفين المسلمين لدينهم كحال الدكتور عبد الرحمن بدوي رائد الفلسفة الوجودية في العالم العربي، وقد أفرد د. محمد عمارة كتابا خاصا لرجوع طه حسين عن عدائه للإسلام.
قد يجادل البعض أن مجتمعاتنا ما تزال تعاني من سلبيات عديدة برغم وجود التدين عند قطاعات واسعة منه، وهذا كلام صحيح، لكن ليس سببه التدين، بل سببه نقص التدين عند البقية من جهة، ونقص التدين البشري عند المتدينين.
ولكن هذا التدين نفسه وبرغم نقصه إلا أنه السبب الرئيس على الأقل في كل الفضائل في المجتمع من تلاحم وتكاتف ورحمة بالفقراء والضعفاء، وهذا التدين هو سبب ما يوجد من صدق وأمانة بين الناس في البيع والشراء، وهو سبب تحمّل الناس التحديات والصعاب، وهو سبب الصمود والتضحيات في حالات المواجهة مع الأعداء، وهو سبب أداء كثير من الموظفين على مختلف مراتبهم واجباتهم بشكل صحيح.
وبرغم كل ما تتعرض له الأمة وأبناؤها من موجات هائلة من نشر الإباحية والفتن الشهوانية أو موجات لنشر المخدرات والمسكرات بين الشباب والشابات إلا أن القسم الأكبر منهم ما يزال تدينه -مهما تباينت قوته- يحول بينه وبين الانزلاق لهذه المهاوي.
قد يزعم آخرون أن هذا التدين جلب لنا التطرف والإرهاب! وهذه مغالطة مفضوحة لمن تدبّر، فهل توجد ملة أو مذهب أو أيدلوجية لم يظهر فيها تطرف وإرهاب؟ فالتطرف والإرهاب ظاهرة عابرة لجميع الأديان والأيدلوجيات، ومِن جهة ثانية يحدث التطرف والإرهاب بين المسلمين بسبب الجهل بالدين، وبسبب تلاعب الأعداء بالمتطرفين، وبسبب التطرف والإرهاب والتعذيب المتعمّد لبعض المسلمين من قبل السلطات المحلية والخارجية، ولعل في نموذج داعش مثالا لكل هذه الأسباب، فهم جهلة بالإسلام ليس فيهم عالِم، وهم لعبة بيد الأعداء حيث نفذوا كل أجندة إيران وروسيا وأميركا في المنطقة، وقد تم تفريخهم عبر التعذيب وغسيل المخ في سجون الأميركان في العراق وفي سجون بشار الأسد في سورية.
والذين تصدوا لهذا الإرهاب هم علماء المسلمين وشبابهم، وقدّموا في سبيل ذلك أرواحهم ودماءهم في الدرجة الأولى، بينما كان وما يزال كثير من قادة الإرهاب يحصلون على ميزات اللجوء السياسي في أوروبا!  
استحضار هذه الصورة العامة لواقع التدين في أمتنا اليوم وكيف أنه تطور بشكل كبير ورائع وشمل غالبيتها يحمي المسلم من الإحباط والاكتئاب بسبب أخبار أنشطة أهل الفسوق هنا أو هناك والتي تملأ الفضاء، كما أنه يحميه من الانخداع بأفكار التطرف والإرهاب التي تستغل هذه النظرات الجزئية لِوصْم المجتمعات بالكفر والمروق من الدين ووجوب قتال المرتدين! وللحديث تتمة.

التعليق