هل جنوب آسيا هو الشرق الأوسط الجديد؟

تم نشره في الجمعة 20 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • أطفال من الروهينجا البورميين خلف أسلاك مخيم للاجئين - (أرشيفية)

دومينيك مويسي*

باريس - غالباً ما ينظر إلى الشرق الأوسط على أنه إقليم مكبل بمشاعر الذل الجماعي والصراعات العنيفة، سواء بين دوله أو داخلها. أما جنوب آسيا، فمحاصر هو الآخر ببعض هذه القوى ذاتها، كما تجلى في تفجر موجة من القومية البوذية في ميانمار، حيث يُطرد مسلمو الروهينغا من البلاد، وكذلك في القومية الهندوسية في الهند، تحت حكم حزب بهاراتيا جاناتا الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء ناريندرا مودي.
لكن ما يدعو للطمأنينة إلى حد ما بالنسبة لجنوب آسيا، أن صيرورته إلى مستقبل "شرق أوسطي" ليست أمراً حتمياً، وإن كانت الاحتمالية في حد ذاتها تشير إلى الوضع المحموم الذي يفرزه تيار القومية المتصاعد عبر الإقليم، وهي قومية غالباً ما تصاغ في قوالب دينية، وبدا الأمر وكأن الأصولية الإسلامية المتنامية باتت الآن تشجع بروز أصوليات الأديان الأخرى.
ويعد وضع الروهينغا على الأخص مخيفاً. فمنذ آب (أغسطس)، انغمس الجيش البورمي في حملة وحشية تستهدف المدنيين، رغم الادعاء ظاهرياً بأنها تركز على مسلحي الروهينغا، حيث يتم حرق قرى بأكملها، مما أجبر مئات الآلاف على النزوح إلى بنغلاديش المجاورة.
ولكن، وعلى الرغم من كون حملة القمع الأخيرة مدمرة -لأنها "مثال دقيق للتطهير العرقي" بحسب وصف المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين- فإن اضطهاد الروهينغا ليس بالأمر الجديد. فمنذ الاستقلال في العام 1948، حرمت الحكومات المتعاقبة الروهينغا حتى من أبسط الحقوق، بل إنها رفضت منحهم الجنسية.
ومع إدانة المجتمع الدولي لحملة القمع، التزمت زعيمة ميانمار الفعلية، أونج سان سو تشي، الصمت إلى حد كبير، وهو موقف أضر بصورتها المثالية القديمة كثيراً كمناصرة شجاعة للديمقراطية وحقوق الإنسان. وحتى عندما تناولت القضية أخيراً -خلال مؤتمر صحفي باللغة الإنجليزية عُقد بعد أسابيع من العنف- فإنها تحاشت ذكر الروهينغا تحديداً.
أُرجع رد سو تشي المثير للجدال إلى حساباتها السياسية بشأن كيفية التعامل مع جيش ميانمار الذي كان يحكم البلاد حتى العام الماضي، وما يزال دوره يتجاوز السيطرة المدنية حتى الآن. ولكن، بغض النظر عن كون ردها لا يليق بفائزة بجائزة نوبل للسلام، فربما يعكس هذا الرد أيضاً في شعوراً باللامبالاة تجاه مصير أقلية صغيرة أيضاً، إذ لا تتجاوز نسبة المسلمين 4% من سكان ميانمار، وبالتالي ليس لمصالحهم وزن يذكر في تقديرها كقائدة أرستقراطية لبورما.
إن ما بدأ كمأساة محلية قد تحول الآن إلى أزمة دولية -وليس بسبب تدفق اللاجئين إلى بنغلاديش ودول أخرى فحسب. فكما هو الحال في منطقة الشرق الأوسط، تتشابك الهويات القومية والدينية في جنوب آسيا بصورة معقدة. ففي تايلاند مثلاً، نجد أن غالبية سكان الدولة بوذيون، تماماً مثل ميانمار، وغالبية السكان في ماليزيا وإندونيسيا مسلمون، وفي الهند الغالبية هندوس، أما باكستان في حد ذاتها، فقد أُنشئت لتكون وطناً للأقلية المسلمة في الإمبراطورية البريطانية السابقة في الهند بعد الاستقلال.
ربما كان حصول الأقليات الدينية في منطقة جنوب آسيا على الأمن أمراً صعباً، خاصة بسبب الإرث الإمبريالي الذي خلفته كل من بريطانيا وهولندا. فقد استغلت الإمبراطورية البريطانية في الهند الأقليات لمساعدتها في فرض حكمها الاستعماري، بتقديم الوعود بتوفير حياة أفضل لهؤلاء الذين يكابدون التمييز. ولكن، عندما عاد البريطانيون إلى وطنهم، ظهرت ممارسات التمييز مجدداً. وكان يصاحبها أحياناً حماسة واندفاع أكبر في ظل الاستياء من تعاون الأقليات مع الحكم الاستعماري.
كان هذا التمييز هو ما حدا بطائفة من شباب الروهينغا إلى اختيار طريق العنف، كما حدث في هجمات آب (أغسطس) التي استهدفت نقاطاً أمنية وأقساماً للشرطة. وربما كان من حرض هؤلاء المسلحين على ذلك رجال دين أصوليون مسلمون من الشرق الأوسط، أو حتى متعصبون من بني جلدتهم. وعلى أي حال، كان الهدف الأساسي لهؤلاء المسلحين هو الانتقام من النظام والأشخاص المسؤولين عن قمعهم وظلمهم.
تنامى التطرف داخل مجتمع المسلمين في ميانمار جنباً إلى جنب مع نمو التطرف الديني بين الأغلبية البوذية. وبالرغم من دعوة بوذا إلى السلام والتسامح، يحرض بعض الرهبان البوذيين اليوم على الكراهية والعنف.
والحقيقة أنه حتى قبل تفجر الأحداث الأخيرة، لم تلق سلسلة المذابح السابقة سوى اللامبالاة من جانب المجتمع الدولي. وكما ظهر من الأهوال التي ارتكبت بحق مسلمي البوسنة خلال حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، تكشف حملة الاعتداءات ضد الروهينغا حقيقة أن تعاطف الغرب هو مسألة انتقائية.
وكان نتاج ذلك دائرة مفرغة من التطرف والعنف. فنجد أن منظمات إرهابية مثل "داعش" بعد هزيمته على الأرض في سورية والعراق، وهي تأمل الآن بلا شك في استخدام محنة الروهينغا لتعبئة وحشد المسلمين، خاصة في آسيا، لخدمة أغراضها الخاصة.
مع تصاعد التوترات الدينية، بات التعاون الإقليمي مهدداً بالأخطار. فكيف يمكن لمنظمة مثل الآسيان، التي شجعت على تحقيق تقدم تدريجي في مجالي الأمن والتعاون الاقتصادي، أن تصمد في ظل القتل والتشريد الذي تواجهه الأقليات الدينية في دولها الأعضاء؟
إذا كان لنا أن نتحاشى حدوث كارثة جيوستراتيجية، فلا بد من كسر التحالف غير المقدس بين الدين والقومية. وينبغي أن يكون للأمم المتحدة قصب السبق في هذا الأمر بالالتزام بإنهاء أزمة الروهينغا. وسيساعد أي تدخل ناجح على ترميم الصورة المشوهة للمؤسسات متعددة الأطراف، ناهيك عن كونه واجباً أخلاقياً. إن العالم ليس بحاجة إلى إقليم آخر مفتت سياسياً وغارق في وحل النزاعات العنيفة.

*مستشار رفيع في معهد مونتين في باريس، وهو مؤلف كتاب "الجغرافيا السياسية لسلسلة انتصار الخوف".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".

التعليق