هجمة الكنيست على القدس

تم نشره في الجمعة 20 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:05 مـساءً

يفتتح الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) يوم الاثنين، 23 الشهر الجاري، دورته الشتوية، التي تستمر 5 أشهر، وسط مؤشرات بادية منذ الآن، على أن هذه الدورة ستشهد محاولات جادة من اليمين الاستيطاني المتطرف بزعامة بنيامين نتنياهو، لاستهداف مدينة القدس المحتلة، بقوانين أخرى تسعى إلى اختلاق واقع ديمغرافي وجغرافي جديد لها، بهدف تشديد قبضة الاحتلال عليها. كما سيسعى الائتلاف الحاكم، لتمرير ما يسمى "قانون القومية"، الذي يلغي أي حق للشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية كلها.
فمنذ بدء الولاية البرلمانية الحالية قبل عامين ونصف العام وحتى اليوم، يشهد الكنيست هجوما منفلتا غير مسبوق بحجمه، في التشريعات العنصرية والداعمة للاحتلال والاستيطان. كما يبيّن هذا مشروع رصد هذه القوانين، الذي أعده في مركز الأبحاث الفلسطيني "مدار" في رام الله. فحتى الآن تم إقرار كلي لـ 25 قانونا من هذه الشريحة من التشريعات، وهذا يُعد أكثر بأربعة وحتى خمسة أضعاف مما كان في ولايات برلمانية سابقة.
وقد ظهرت مؤشرات الدورة الشتوية هذه، مع انتهاء الدورة الصيفية قبل ثلاثة أشهر، إذ أعطى نتنياهو الضوء الأخضر لكتلة حزبه البرلمانية "الليكود"، وباقي الائتلاف الحاكم، للتقدم بمشروع قانون بادر له عدد من النواب، يقضي بضم مستوطنات ضخمة إلى منطقة نفوذ القدس المحتلة، التي حددها الاحتلال منذ العام 1967؛ وفي المقابل، فصل ضواحي مقدسية فلسطينية عن مركز المدينة الأم، بجدران احتلال اضافية.
والنتيجة التي يسعى لها الاحتلال، هي إخراج أكثر من 250 ألف فلسطيني مقدسي من نطاق مدينتهم بشكل مصطنع، من أصل أكثر من 320 ألف فلسطيني حاليا في مدينتهم. وفي المقابل ضم مستوطنات تؤوي أكثر من مائة ألف مستوطن. وبعقلية الاحتلال فإن القدس بشطريها المحتلين منذ 1948 و1967، تصبح ذات أغلبية يهودية بنسبة 90 %، بدلا من 67 % اليوم.
وكي نُبقي الأمور في نصابها الواقعي، فإنه ليس مؤكدا أن الائتلاف الحاكم حاليا، سيتجرأ فعلا على دفع قانون كهذا إلى الأمام، على الرغم من شراسة عدوانيته. فلربما مثلا، قد نرى إقرارا للقانون بالقراءة التمهيدية، بمعنى من حيث المبدأ، ومن ثم يتم تجميده. وهذا لا يعني التخفيف من خطورة الأمر، فمجرد طرحه كمشروع قانون، وإعلان نتنياهو موافقته عليه، يؤكد حقيقة العصابة المسيطرة على الحُكم الصهيوني. فمشاريع القوانين، حتى التي لا تُقر، تعكس هوية المبادرين، وتعكس بالأساس طابع حكومة الاحتلال.
نحن مقبلون على مرحلة، ستكون أشد من سابقتها، في ظل تماسك الائتلاف الحاكم حول السياسة العدوانية المنفلتة. ولا تهز قادة هذا الائتلاف، ملفات الفساد التي تلاحق زعيمهم نتنياهو، طالما أن الهدف هو تحقيق أكثر ما يمكن من أجندة اليمين الاستيطاني. وأولها، الإطباق كليا على فلسطين التاريخية. وسنشهد في الفترة المقبلة، الكثير من المشاريع الصارخة والضخمة، منها ما هو لغرض إعلان "نوايا"، ولإشغال الرأي العام بقضايا ضخمة، فُرص تطبيقها على الارض ضعيفة. وفي المقابل، فإن حكومة الاحتلال ستواصل مشاريع الاستيطان الواسعة في جميع أنحاء الضفة المحتلة، وهذا هو الأساس.
وليس الائتلاف الحاكم وحده. ففي الأيام الأخيرة أعلن رئيس حزب "العمل" المعارض، آفي غباي، أنه يرفض إخلاء أي مستوطنة في اطار الحل الدائم، وهو تصريح مطابق لتصريح نتنياهو في الأسابيع الأخيرة. كذلك فإن التوجهات السياسية لدى يائير لبيد، رئيس حزب المعارضة الثاني "يوجد مستقبل"، مطابقة لذات الخط السياسي.
ما يعني أنه خلافا لسنوات سابقة، فإن ظاهرة مناهضة الاستيطان في الشارع الإسرائيلي التي شهدناها لدى قطاعات ليست قليلة في سنوات سابقة، قد تلاشت بشكل تدريجي على مدى سنوات الألفين، وهذا ما يشجع اليمين الاستيطاني على التوغل أكثر في مشاريعه التوسعية الاستعمارية، للقضاء على أي احتمال لقيام دولة فلسطينية. إلا أننا نعرف كما يعرف ذلك الصهاينة، أن أوهامهم تُبنى على رمال متحركة، مصيرها الزوال، لا محالة.  

التعليق