خيار الاستفزاز

تم نشره في الجمعة 20 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

معاريف

ران ادلست  20/10/2017

بطارية الصواريخ التي أصيبت في سورية لم تهدد أمن الدولة. بدلا منها ستأتي اثنتان أكثر تطورا. جمع معلومات استخبارية؟ ربما. وربما لا. "تنسيقات مع الروس؟ إلى أن يكسر احد ما قواعد اللعب والقصة كفيلة بان تتدحرج إلى جولة قتالية اخرى.
نحن نحلق في لبنان ونقصف في سورية لأننا نستطيع، واصابة البطارية جاءت لتثبت ذلك. ومن الان فصاعدا فلتعلم كل أم عبرية أنه اذا ما نشبت حرب، فهذه هي الحرب لانقاذ الحكومة، وهي ستدار على ظهر وحياة مواطنيها. منذ اليوم، امام ناظرينا تماما، تتشكل الظروف التي ستؤدي إلى حرب اخرى عديمة المعنى. في نهاية المناورة الكبرى قبل نحو شهر قال رجل المدرعات العميد نداف لوتان لقيادة اركانه: "هذا لقاؤنا الاخير قبل الحرب". لا حاجة للنزول إلى الملاجئ بسبب قول هو جزء من نمط التفكير الذي يعزز فيه رجال الجيش احساس الالحاح، ويكاد يكون هذا على ما يرام. المشكلة هي السياسيون.
لقد قال وزير الأمن افيغدور ليبرمان انه لا يهمه أين ستنشب المواجهة التالية، في الشمال أم في الجنوب، "فإنها ستصبح معركة في جبهتين..". هذا بالفعل هو أحد السيناريوهات التي يستعد لها الجيش الإسرائيلي، لأن هذه هي مهمته. اما مهمة السياسيين فهي استغلال الهدوء الذي حققه الجيش الإسرائيلي في الشمال لصالح التسوية وليس ادعاء البطولة في الحرب في صالح الانتخابات التالية. فقد قال ليبرمان إنه "من ناحية الجبهة اللبنانية، هذه ليست حزب الله فقط. فالجيش اللبناني هو تحت قيادة حزب الله".
لعل ليبرمان فوت استعراضا استخباريا ما بسبب مباراة تنس (المكان الوحيد الذي سمع فيه صفير الكرات – الرصاصات، مثلما قالوا عنه في مركز الليكود قبل شهر من تعيينه)، إذن لعلمه: حزب الله يتعاون مع جيش لبنان غير أن إسرائيل لن تهاجم في لبنان في صيغة عقيدة الضاحية (تدمير البنى التحتية)، لأن الولايات المتحدة، بريطانيا وفرنسا (اللواتي تسلحن الجيش اللبناني) تعارض الهجوم وتساند سعد الحريري، رئيس وزراء لبنان. وأنا جد آمل الا تكون الحكومة توشك على تكرار خدعة حرب لبنان الاولى، حين ارتبطنا بمعارضي الشيعة.  إن المصلحة المشتركة لترامب ونتنياهو هي الهجوم في سورية لشطب عار الهزيمة. مرغوب فيه بلا ضحايا أميركيين. أما في إسرائيل، ويا له من مريح، فلترامب الكثير من الجنود والطيارين المنضبطين. ولحظنا فقد تقلبت النوازع. هيئة اركان الجيش الإسرائيلي قتالية ولكنها تفكر سياسيا، والسياسيون يفكرون عسكريا – عصابيا. الديمقراطية ملزمة وما شابه، وما هو كفيل بدحرجة الحرب التالية هو حلف المنبوذين والمصالح المشتركة بين ترامب ونتنياهو، وعار هزيمة الاثنين اللذين فقدا الشمال (ترامب مهزوم في كوريا الشمالية أيضا).
المصلحة الاولى هي النجاة من التحقيقات التي تجري ضد الرجلين في ظل تهديد التنحية المكللة بالعار. فسواء في تحقيق روبرت مولر في الولايات المتحدة ام في تحقيق شرطة إسرائيل طرأت في الزمن الأخير تطورات دراماتيكية. لعل كل هذه لا تقرب النهاية الفورية للرجلين، ولكنها ترفعهما إلى طريق آلام التدحرج في الزفت القانوني والريش الاعلامي. اما المصلحة الثانية فهي محاولة اخفاء خرائب الانهيار الشامل للسياسة المشتركة بينهما في سورية من خلال "الهجمات".
ترامب مضروب من كل الجوانب: كان يفترض بالأميركيين أن يدخلوا العراق تحت مظلتهم. هذا في شك كبير اذا اخذنا بالحسبان الأغلبية الشيعية في الدولة والتدخل الايراني في القتال ضد داعش. ضربة اخرى: اهمال سياسي لا يصدق عقب الفوضى في عمل البيت الابيض، وزارة الخارجية والبنتاغون أدت إلى أن الاكراد والجيش العراقي – وكلا الطرفين مسلحان، مدربان ومدعومان لوجستيا وعسكريا من الأميركيين – يتبادلون اطلاق النار في كركوك.
الحقيقة المرة
الضربة الأكثر ايلاما لترامب ونتنياهو هي استقرار الاتفاق النووي. المتذاكون يجدون فيه الثقوب، ولكن أيا منهم ليس لديه بديل، وبالتالي فإنهم يصرخون على "الصواريخ الباليستية". ليس في الاتفاق كلمة عن الصواريخ الباليستية لأن واضعيه فهموا ما لا يفهمه محللونا. في الشؤون الايرانية ايران هي المهددة التي تحتاج إلى الدفاع عن النظام والمواطنين من خلال القنبلة والصواريخ، دون الحديث عن صدمة الهجمتين الأميركيتين على العراق المجاور بينما يسمعون من إسرائيل والولايات المتحدة بانهم التالين في الدور، وهنا يأتي براك أوباما ويعطل القنبلة.
إن القشة التي قصمت ظهر ترامب هي فشله في تحدي الاتفاق، والقشة التي قصمت ظهر نتنياهو هي الاتفاق بين السلطة وحماس. لم يسبق ان كان تهديد مباشر على السيطرة في المناطق مثل حكومة فلسطينية موحدة تتوجه نحو الانتخابات. وحتى عندما القي رجال دحلان والسلطة من الاسطح لم يكن شك أن في بداية المشادة الكلامية سيتم رأب الصدع لصالح المصلحة المشتركة.
لقد بقي الصداع الايديولوجي مثلما كان بالضبط مثل الصدع بين اليمين واليسار في إسرائيل منذ قيام الدولة. إسرائيل تطالب بتفكيك السلاح والانفاق ووقف العمليات. المبدأ صحيح، ولكن التطبيق منوط بتفكيك الحصار وإنهاء التصفيات والاعتقالات العابثة.
الحقيقة المرة: كل الفلسطينيين، حتى آخر المعتدلين منهم، يريدون الابقاء على الخيار العسكري. فهم يتذكرون كل حملة دخل فيها الجيش الإسرائيلي ودمر. صحيح أن هذه ردع وهمي حيال الجيش الإسرائيلي، ولكن عندما تكون مدحورا نحو الحائط بجرافة، حتى الاظافر تكون خيارا. واذا كانت حكومة نتنياهو مدحورة نحو الحائط، فإن حتى الاستفزاز هو خيار. آمل أن يكون في التسوية مع مصر توافق على وقف التصفيات. فتصفية احمد الجعبري، الذي كان سلف يحيى السنوار وكان كفيلا بان يدير المفاوضات مع إسرائيل، سلسلت ردود الفعل إلى حملة "عمود السحاب".
مثلما في كل حالة من التدحرج نحو الحرب، المسائل هي استراتيجية وتكتيكية على المستوى السياسي، العسكري والنفسي. فالحالة العقلية لترامب ونتنياهو هي جزء من عملية اتخاذ القرارات. لقد شُخص ترامب كصبياني، مغرور، مثابة نوع من دودو توباز الذي اقلع وانفجر. اما نتنياهو فهو حالة اصعب بسبب الأقنعة والدروع. ما يجعله نوعا من الزمبي الذي لا يتسلل الواقع إلى عقله، بل يستوعب مباشرة في منظومة تلقائية تخلق نوبات فورية – هي في المناسبة مشابهة لدى الرجلين. وسائل الاعلام؛ الجهاز القضائي؛ الشعب يحبني؛ تعالي يا ميلينيا نذهب لنلقي لفافات ورق التواليت. مثلا في لونا بارك. من هناك الطريق إلى لونا بارك الحقيقية تلوح كطريق قصيرة حتى الخوف.
بعد بضعة أسابيع سينقض "رجال أمن" إسرائيليون في الاحتياط على تلة الكابيتول قبيل قرار الكونغرس حول الاستجابة لطلب ترامب الانسحاب من الاتفاق. بعض من رجال الامن اياهم سيبحثون في الاروقة التي لا تنتهي من رجل كونغرس إلى آخر ليشرحوا بان الاتفاق جيد، بعضهم سيشرح بان الاتفاق سيئ. لا يدور الحديث عن خلافات في الرأي بين جهتين بل عن انعكاس الهوة المفتوحة بين الشعبين اليهوديين في دولة إسرائيل. هناك احتمال اكثر من معقول في أن تكون هذه هي المرة الاولى التي تتغلب فيها جي ستريت إلى إيباك. كل هذه الفوضى تستحق فقط كي يفهم يهود أميركا أخيرا أن إيباك هي مجموعة الضغط من اليمين الظلامي في إسرائيل وفي الولايات المتحدة.
إذا عملت بريطانيا وفرنسا كما ينبغي، فإن ممثليهما هما أيضا سيكونون هناك، ومن ناحيتي فليستخدم بوتين قراصنته الإلكترونيين، هذه المرة ضد ترامب. بعد ثلاثة اشهر سيعود ترامب لإقرار الاتفاق. لا شك أن الاتفاق سيبقى على حاله، ولكن ليس واضحا إذا كان ترامب سيبقى على حاله هو الآخر.

التعليق