اكتظاظ الطلبة في الصفوف يدفع أولياء الأمور للدروس الخصوصية

تم نشره في السبت 21 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

منى أبوحمور

عمان- صعوبة حصول أحمد ذو العشرة أعوام على وقت كاف لفهم مادة الرياضيات أصبحت هاجسا يقلق والدته التي دفعها خوفها على مصير ابنها إلى اللجوء إلى معلم خاص ليتمكن ابنها من فهم الرياضيات.
وجود أحمد في صف يبلغ عدد طلابه 42 طالبا، يحول دون تركيزه داخل الحصة أو حتى إقناع المعلمة في التوقف قليلا عند الجزئيات التي يصعب عليه فهمها، الأمر الذي سبب في تحصيله الأكاديمي إكماله في مواد عدة تصدرها الرياضيات.
صدمة والدة أحمد كانت قبيل امتحان الشهر الأول الذي عقدته المدرسة، عندما تفاجأت بأن هناك العديد من المسائل الحسابية والقوانين الرياضية التي يجهلها ابنها ولم يتمكن من مراجعة المعلمة بها بسبب “ضيق وقتها وكثرة عدد الطلاب في الصف”، وفق رد المعلمة عليها، ما أجبرها على البحث عن معلمة خاصة لتدريسه.
حال والدة أحمد حال الكثيرين من أولياء الأمور الذين دفعتهم زيادة عدد الطلاب في الصفوف إلى البحث عن معلمين ومراكز تدريس خاصة، حتى يتسنى لأبنائهم أخذ حقهم في الحصول على وقت كاف لفهم المادة، وفرصة للاستفسار عما يصعب فهمه من المرة الأولى.
عقبات عديدة يواجهها أولياء أمور بتعليم أبنائهم في المدارس
زيادة عدد الطلاب في الغرف الصفية باتت ظاهرة تقلق العديد من أولياء الأمور، لم تقتصر على عدد المدارس الحكومية وحسب، وإنما وصلت إلى العديد من المدارس الخاصة التي لم تلتزم بالشروط والمواصفات التي وضعتها وزارة التربية والتعليم، وفق خبراء، أكدوا بدورهم حق الطالب في الحصول على الوقت الكافي لفهم المادة من المعلم.
فيما يعتبر الخمسيني، خالد الحديدي، أن التعليم أصبح حملا ثقيلا على كاهل أولياء الأمور الذي يقضون حياتهم لتأمين تعليم نوعي لأبنائهم، إلا أنهم يصدمون بالكثير من العقبات التي ترتب عليهم التزامات وجهود مضاعفة أهمها زيادة عدد الطلاب داخل الغرف الصفية.
ويقول لـ”الغد”: “إن ازياد عدد الطلاب في المدرسة والذي ينعكس بشكل مباشر على عددهم داخل الصف ليس من مسؤولية أولياء الأمور والطلبة، وإن كانت هناك صعوبة في إيجاد حلول لهذه الظاهرة التي أصبحت متفشية في التعليم الحكومي والخاص، فلابد من إيجاد بدائل تمكن الطلبة من أخذ حقهم في الفهم والاستيعاب”.
ويضيف “عندي أربعة أبناء وجميعهم في مدارس خاصة والأصل أنها قوية، إلا أنني أضطر لإعطائهم دروسا خصوصية في المواد العلمية”، مستهجنا وجود آلاف الأسر التي تضطر لوجود معلم خاص لتعليم أبنائها إلى جانب المدرسة وكأن الأمر “بات ظاهرة أو حتى أمرا عاديا”.
مدارس لا تتبع نظام الصفوف النموذجية بأن لا يزيد عدد طلابها على عشرين طالبا
بدورها، تلفت المستشارة النفسية والتربوية، مي زيادة، إلى انتشار ظاهرة اكتظاظ الصفوف بالطلاب، إلا أنها تزيد بالمدارس الحكومية.
وتبين عدم التزام العديد من المدارس بنظام الصفوف النموذجية التي لا يزيد عدد طلابها على عشرين طالبا، الأمر الذي يحول دون حصول الطالب على المعلومة بالطريقة الصحيحة ولا يتيح المجال أمام الهيئة التدريسية لمراعاة الفروق الفردية بين الطلبة.
“التنوع في مستويات التفكير والقدرة على الاستيعاب في الصف يتطلب منح الطلبة مزيدا من الوقت في الشرح والتحليل”، مبينة أن زيادة عدد الطلبة في الصف تزيد الحمل على المعلمة، خصوصا في ظل خلو المدارس الحكومية من “المدرسة المساعدة” التي تقوم على تغطية الفجوات التي قد تتركها المعلمة الأساسية في الصف.
في حين لم تتوقف معاناة الطالبة إسراء مرعي طالبة الصف التاسع، عند زيادة عدد طالبات الصف الذي يصل إلى 48 طالبة في الشعبة الواحدة، بل يتعداها إلى صعوبة المناهج التي تتطلب قدرة كبيرة على التركيز ومعلم قادر على إيصال المعلومة بسلاسة إلى الطلبة.
وتقول إسراء “إن ما يتبقى من وقت الحصة الذي يضيع ربعه في محاولة المعلمة في تهدئة الصف وكتابة عنوان الدرس والسؤال عن الدرس الماضي لا يكفي فعليا لحل مسألة واحدة من الرياضيات يفهمها جميع الطلبة”.
وتشكو تجاهل المعلمات للعديد من الأسئلة التي توجهها الطالبات لهن، أو حتى إن كانت هناك طرق أخرى لحل المسائل الرياضية والمعادلات الكيميائية بحجة عدم وجود الوقت الكافي للإجابة عن جميع الأسئلة، ما يدفعها للذهاب ثلاث مرات في الأسبوع لمعلمة متخصصة في المواد العلمية.
زيادة عدد الطلاب ترهق الطالب وتزيد الضغط الواقع على المعلم
من جهتها، تجد معلمة الصف الثامن الأساسي في إحدى المدارس الحكومية، إيمان أحمد (اسم مستعار)، أن ما تشهده المدارس الحكومية من تزايد في عدد الطلاب بسبب الأحداث في المنطقة من الطبيعي أن يترجم بزياد عدد الطلاب في الصفوف التي قد تصل في العديد من المدارس إلى ضعف العدد النموذجي وربما أكثر.
وتلفت إلى أن زيادة عدد الطلاب لا ترهق الطالب فحسب، وإنما أيضا تزيد الضغط الواقع على المعلم المرتبط بوقت معين وفترة زمنية محددة لإنهاء المنهاج، وهو ما يعد تحديا كبيرا في ظل اكتظاظ الصفوف بالطلبة.
تقول “نحاول قدر المستطاع أن نراعي الفروق الفردية بين الطلبة وتوصيل المعلومة لجميع الطلبة”، مبينة أنها في كثير من الأحيان تعيد بعض الأمور التي قد يصعب فهمها على بعض الطلبة من المرة الأولى في حصص فراغها وخلال استراحة الأكل.
ينبغي تأمين بيئة دراسية صحية ومريحة للطلبة
التربوية مي زيادة، بدورها، تشير إلى أن على المدارس الحكومية والخاصة مراعاة اعتبارات عدة عن توزيع الطلبة في الصفوف أهمها الفروق الفردية وتأمين بيئة دراسية صحية ومريحة للطلبة، تتيح للطلبة الوقت الكافي للسؤال والاستفسار بصورة منطقية.
وتقول “إن الكثافة في الطلاب تقلل من قدرة الطلاب على أخذ المعلومة، كما تسبب المشاكل فيما بینهم، كما يمكن أن يكون بيئة خصبة لتعلم بعض السلوكيات السلبية، لاختلاف أسالیب التربیة بین الطلاب.
وتأسف زيادة، لميل العديد من أصحاب المدارس الخاصة لقبول مزيد من الطلاب في الغرفة الصفية الواحدة بحثا عن الربح المادي، فضلا عن توجه العديد منهم لتوظيف المعلمين والمعلمات حديثي التخرج لتوفير أكبر قدر ممكن من الرواتب العالية، ما ينعكس بشكل كبير على قدرة الهيئة التدريسية على ضبط الصف وتقديم الشرح المناسب للمادة ويدفع بالأهالي للبحث عن “المعلم الخاص”.
وتبین أن زيادة عدد الطلاب في مكان ضیق تؤدي إلى ضجة كبیرة لا تمكن المعلم من أداء مهمته في التعليم وضبط الصف بالشكل المطلوب منه، كما تقلل من فرصة الطالب في المشاركة والمبادرة والاكتفاء بدور المتلقي.
ومن جهتها، تستهجن مي الزيود “المعلمة الخاصة” زيادة لجوء الأهالي إلى الدروس الخصوصية بسبب زيادة عدد الطلاب في الصفوف الدراسية بالرغم من أن معظمهم من مدارس خاصة ومعروفة.
وتبين الزيود أن الكثير من الطلبة يأتون إليها لعدم قدرتهم على الفهم والاستيعاب من معلمتهم بالصف بسبب كثرة الطلاب، فضلا عن صعوبة المنهاج وعدم أخذ حقهم في الاستفسار.
وتضيف أن الدروس الخصوصية أصبحت في الآونة الأخيرة حاجة ملحة عند الكثير من أولياء الأمور الذي يشكون ارتفاع الأقساط المدرسية من جهة واضطرارهم للبحث عن معلم خصوصي يتابع دراسة أبنائهم.
الهجرة العكسية من المدارس الخاصة للحكومية أكبر تحدّ يواجه الوزارة
بدوره، يبين الأمين العام في وزارة التربية والتعليم، الدكتور سامي سلايطة، في تصريحه لـ”الغد”، أن المساحة المخصصة للطالب في المدارس الخاصة والحكومية وفق التشريعات هو متر مربع داخل الغرفة الصفية ومتران مربعان خارج الغرفة الصفية، وهو ما يتوافق مع المؤشر العالمي.
ويقول “الظروف هي التي تجبر الوزارة على قبول عدد طلاب أكبر في الصف”، معتبرا الهجرة العكسية من المدارس الخاصة إلى الحكومية أكبر تحدّ يواجه وزارة التربية والتعليم.
ويقول سلايطة “إن الوزارة ملزمة بموجب القانون بقبول أي طالب يأتي إلى مدارسها، متخذة إجراءات عدة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلبة المنقولين إليها، سواء نتيجة النمو السكاني المتزايد، أو المنقولين من التعليم الخاص، أو القادمين من دول عربية، بسبب الظروف التي تشهدها المنطقة حاليا”.
ويشير سلايطة إلى أن الاستعانة بنظام الفترتين الصباحية والمسائية من الحلول المؤقتة التي اتبعتها الوزارة لمواجهة مشكلة الاكتظاظ.
وكانت الوزارة، بحسب سلايطة، وضعت خطة استراتيجية وفق أسس علمية لمواجهة مشكلة الاكتظاظ داخل الصفوف؛ حيث سيتم إنشاء 600 مدرسة خلال السنوات العشر المقبلة لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلبة.

التعليق