كمان تائه

تم نشره في السبت 21 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

مثل كتلة نارية لونه، يحلق عاليا، لم أكن لأراه لولا أنني كنت محتشدا بالارتباك، منذ لحظة تأكدي أن تصريح دخولي إلى الضفة الغربية المحتلة، قد استعد لأن يكون بين يدي. تلك لحظة لم أرغب لأحد أن يراني فيها، فمثل طفل صغير كنت، يحمل دميته التي أحضرها له والده، في غير موعد احتفاله بعيد ميلاده، عبثت بتصريح “السلطة الوطنية الفلسطينية” لدخول فلسطين، وامتلأ صندوقي بالغبطة.
ظل الطائر الذي يميل لونه إلى البرتقالي، كما لو أنه شعلة نارية لطيفة، يقترب ويبتعد، لكنه لم ينطفئ، حافظ على توهجه. بدا كطيف في لحظة، وكحقيقة في لحظة أخرى. لكن التوهج ظل حديقة مشتعلة بالأحلام والأمنيات والقصائد، أقول القصائد، لأني كنت أعتقد بأن النثر لن يفي تلك اللحظة حقها.
لذا، على الشعر أن يتأهب، وعلى النثر الذي يسيل منه الشعر أن يظل عاليا أمام أي حياة تتدافع في بريتك وهي تزهر كشجرة خوخ، لكنه الآن ينام على كتف ذلك الطائر المتوهج، يلمح فلسطين في قطيفة مذهبة، لا تعلق على جدران المنازل أو في علب الذكريات، أو فوق صدور الفتيات الحالمات بفدائيين يخطفونهن ويحلقون بهن فوق بيارات البرتقال اليافاوية، بل يراها كحقيقة لم تتغير في الجغرافيا والتاريخ، متأهبة كأي حلم، ونابضة كأي قلب، ومهيأة للعناق.
مرت حياتي أمامي كلحظة، شعرت بأني على وشك التعرض للاختطاف من كائن هلامي، يحاول ان يخربش شيئا ما على ورقة أمامه، اعتقدت لوهلة بأنه يرسمني على بياضها. وشعور من هذا النوع، يتماهى في أعماقك ليحولك إلى مكابدة تتنفس وتنتظر دورها في الحياة والموت.
عند الحافة إذن، عند النقطة الفاصلة بين النبض والقلب، كنت أنتظر عبوري إلى فلسطين، وعند الحافة أيضا، هبت رياح اللوعة. أيها الحد الفاصل، أنا مصاب باللوعة، مصاب بالحنين، مصاب بالذكريات، مصاب بالذاكرة التي نحتتها الخيام والطرقات المبتلة بدموع الجدات، وآهات الأجداد، مصاب بك، سأقول أكثر من ذلك في تدفق لهفتي الأول عند بوابة العبور.
سأقول أني لم أجد بيتا
وبيتي صار مئذنة يغافلها الغياب
لا شيء أعرفه هنا غيري
ولا وتر تقمصني ولا زرياب
أمشي انتظارا ثم يوقفني الصدى
أمشي وقلب شاهق يمشي معي
هل كنت أمشي، أم ترى حلمي تورد
صار يتقنه الذهاب؟.

التعليق