تقرير اقتصادي

3 سنوات على ترحيل سوق ‘‘العبدلي‘‘ إلى ‘‘المهاجرين‘‘

تم نشره في الأحد 22 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • بعد تشغيل السوق بأسبوع
  • السوق قبل التشغيل في تشرين الأول (اكتوبر) 2014
  • بعد 3 سنوات من تشغيل السوق (تشرين الأول (اكتوبر) 2017) - (من المصدر)

أحمد أبو خليل

عمان - في مثل هذه الأيام قبل ثلاث سنوات بالضبط، كانت ليلة العاشر من تشرين الأول (اكتوبر) العام 2014 الليلة الأخيرة لسوق العبدلي الشعبي في موقعه الذي استمر فيه لمدة 30 عاما، وقد تم الترحيل بعد مواجهات عنيفة، وسجن ومحاكمة حوالي 30 مواطنا من العاملين على بسطات السوق، ثم أقفلت ساحة العبدلي بأكوام من الأنقاض جلبت من الخارج ووزعت فيها للحيلولة دون عودة الباعة.
بالنتيجة نُفّذ قرار النقل إلى ساحة في منطقة "المهاجرين" غرب وسط عمان، وقيل حينها أن الأمانة اختارت موقعا مناسبا وصممته بترتيبات "حضارية"، وجرى تخصيص حوالي 500 "نمرة" موضحة بأرقام، وتفصل بينها خطوط صفراء وممرات، وزُوّدت كل نمرة ببسطة صغيرة وبمظلة، وعلقت الأمانة على الجدران قوائم بأسماء "المستحقين" (512 اسما) طالبة من المعترضين التقدم باعتراضاتهم إلى الأمانة.
في هذا التقرير نأخذكم بجولة مصورة مختصرة توضح تبدلات وضع السوق الجديد في المهاجرين وكيف أعاد العاملون على بسطاته تصميمه وفق رؤيتهم لمصلحتهم ومصلحة زبائنهم، وكيف وزعوا محتوياته وأقسامه بناء على خبرتهم الطويلة.
ليعذرني القارئ هنا للتوقف قليلا مع ملاحظة قد تكون شخصية إلى حد ما، فقد بدأت بدراسة "مجتمع واقتصاديات البسطات" منذ 20 عاما، في سياق دراسة أشمل لقطاع التوظيف الذاتي أو القطاع غير الرسمي في العاصمة عمان، ولاحظت المرونة العالية التي يتمتع بها منتمو هذا القطاع ومدى استجابتهم للتغيرات العمرانية والسكانية والإدارية والأمنية، في المناطق التي يعملون فيها. 
هم عموما، يعملون في ظروف من عدم الاستقرار بسبب عدم تشريع عملهم، أي عدم تسجيله وترخيصه رسميا، لكن عدم التسجيل أو الترخيص هذا هو شرط مسبق وضروري لعملهم، وإلا تحولوا إلى قطاع رسمي وانتفت خصوصيتهم! وتلك مفارقة لا تفهمها -عادة- الجهات المعنية بالتعامل معهم، في كل البلدان ومنها بلدنا، وهي الجهات التي تحرص على التسجيل والتوثيق والترخيص.
لهذا فهم (أي العاملون في هذا القطاع ومنهم العاملون على البسطات) دوما مستعدون في النهاية للاستجابة وبمرونة، ولكن على طريقتهم.. وتعالوا -مثلا- نتتبع ما جرى مؤخرا بعد إلغاء سوق العبدلي، وقرار افتتاح سوق شعبي في منطقة المهاجرين ونقل البسطات إليه، وهو القرار الذي رفضوه أولا كما أشرنا، لأنه يلغي خبرة حوالي 30 عاما من العمل في "سوق العبدلي" فضلا عن حجم السوق الجديد الصغير مقارنة بالعبدلي.
وفق مؤسسي سوق العبدلي، كان عدد أصحاب البسطات فيه عند قيامه العام 1985 حوالي 200 شخص. وكانت مساحته محدودة لأن الموقع كان مشغولا بمجمع السيارات، وفي العام 2007 عندما ألغي المجمع، توسع سوق البسطات على كامل المساحة، وقد أحصيت (بشكل شخصي وتقديري) في فترة ذروة السوق العام 2013 حوالي خمسة آلاف وحدة بيع في السوق وهوامشه، بينما قدّر صحفي أجنبي اسمه ريتشارد كَزنز في تقرير طويل ترجمه موقع "حبر" الأردني العام 2014، عددَ الأسر ذات الصلة بالسوق كمصدر دخل بحوالي 3000 - 4000 مشيرا إلى انه لم يشمل العاملين على هامش السوق.  تطالعون مع هذا التقرير، بعض الصور التي التقطت على ثلاث مراحل للسوق، ومن زوايا تصوير متماثلة متكررة لملاحظة التبدلات: فقد التقطت صور للسوق عند إنشائه ولكن قبل الانتقال الفعلي إليه، ثم بعد أسبوع على تشغيله، ثم مؤخرا في 13 تشرين الأول (اكتوبر) من هذا العام أي بعد ثلاث سنوات على قيام السوق.
الصور توضح بشكل جيد كيف تعامل أصحاب البسطات مع المساحة المتاحة، بحيث أمكن مؤخرا إحصاء ما لا يقل عن 1500 "مساحة بيع" في السوق وعلى هوامشه وأطرافه، ويحتاج تفحص المزيد من التفاصيل عن الملكيات والتشغيل وأعداد العاملين على هذه البسطات، إلى بحث أعمق وأطول زمنا.
لكن السوق اليوم استعاد جزءا من صورته السابقة "أيام العبدلي"، باستثناء قسم الخضار والفواكه الذي انتهى تقريبا باستثناءات محدودة على الهامش. والسوق اليوم عامر بالملابس والأحذية بشكل خاص، وببسطات ما يسمى "الخردوات" إضافة إلى بسطات خدمات السوق والمتسوقين.
لقد تجاوز العاملون في السوق جميع "الخطوط الصفراء" التي رسمتها الأمانة، وبالكاد تظهر أرقام البسطات والخطوط والإشارات الفاصلة بينها، تحت اقدام المتسوقين والباعة. ومن ناحية التنظيم، هناك الآن 5 ممرات طولية والعديد من الممرات العرضية، مع الاستجابة لشكل الساحة غير المنتظم، فهي تبدأ ضيقة ثم تتسع، وهناك مستويان للسوق (علوي وسفلي). كما استغلت جميع الجدران التي كان تصميم الأمانة يبتعد عنها كثيراً.
من المعروف أن الاستعداد للسوق أسبوعيا يبدأ من عصر كل خميس، حيث يُحضر الباعة سلعهم وفراشهم للمبيت، وأعمدة بسطاتهم والرفوق والأشبال اللازمة، وينصبونها بسرعة اعتادوا عليها، ويبيت في المكان مندوبون لكل بسطة، ويبدأ عملهم منذ صباح الجمعة وحتى المساء.
استعاد الباعة قدرا من حيوية السوق القديمة، بعد أشهر من الكآبة مروا بها عند التأسيس، ومجددا اليوم تُسمع النداءات الملحنة بشكل جذاب للمتسوقين، واستعاد السوق الكثير من الأسر التي اعتادت عليه لمدة 30 عاما. لم يصمد التصميم الرسمي وتفوقت خبرة العاملين في البسطات، إلى درجة أن احدهم كتب على المدخل عبارة: السوق "الشاعبي"، لأن "ضعيفي الإملاء" الباحثين عن رزقهم، لا يهتمون كثيرا بتشكيلات الحروف كما يفعل الرسميون.

التعليق