"يا عمري".. الجدات يكتبن التاريخ

تم نشره في الاثنين 23 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً
  • ملصق "يا عمري" - (الغد)
  • الجدة هنرييتا في مشهد من "يا عمري"

عمان- الغد- تلك العلاقة القوية العميقة مع الجدة "التيتا"، التي نقلها لنا المخرج اللبناني هادي زكاك في فيلمه الوثائقي "يا عمري"، تتعدى إطار علاقة قرابة عادية، فهي تاريخ عائلة وأم، لحظات جمعها لتبدو هشاشتها مذهلة من الخارج وقوة عظيمة من الداخل، يستخرجها من بين ثنايا سنوات طويلة من التسجيل والأرشفة العائلية ليحكي حكاية جدته ذات 104 أعوام "هنرييتا مسعد".
"يا عمري"، الذي عرض أول من أمس بتنظيم من الهيئة الملكية للأفلام وبحضور زكاك، ليس بالفيلم السهل، فهو يثير مخاوف أن يكبر الفرد من جهة، وفي الوقت نفسه يعكس أهمية الترابط العائلي من جهة أخرى.
أول مشهد يفتتح به الفيلم أثناء قيام المخرج هادي بزيارة جدته التي يحبها، ولكنها لا تتذكره في البداية ليدخلنا شيئا فشيئا في ذكريات نعيش شفافيتها وعفويتها وهو يغوص في الذاكرة.
خصوصية الفيلم ليست تلك العلاقة المتينة التي جمعت زكاك و"التيتا" وحسب، بل هي الرغبة في التقاط أكبر قدر من كل شيء يتعلق بها، حديثها ذكرياتها، حضورها واللمة العائلية إلى جانب الإرث الكبير الذي تمثله المليء بالروح والحب.
الأرشيف المستخدم وصوره زكاك بين الأعوام 1992-2013، فيها كثير من الحكايات التي ترويها هنرييتا الشخصية الفريدة، مستخدما أنواعا مختلفة من الكاميرات التي تطورت على مدى تلك السنوات، ليغدو فيلمه أيضا توثيقا لتطور التصوير وصناعة الأفلام، وهو الذي في أفلامه دائم الغوض في تاريخ جوانب الحياة في لبنان، وعلاقتها مع ساكنيها وانعكاساتها على تركيبها وثقافتها وناسها.
وجه لا ينسى
فيما يمر وجه التيتا هنرييتا على الشاشة الذي اقترب منه هادي من خلال عدسة كاميرته ليتلقط تعابير وجهها الذي وشمت فيه السنين أثرها، وهي تروي ماضيها منذ وصلت إلى لبنان ومغامراتها قبل أن تتزوج، والحب وتاريخ الأسرة، ليفتح لنا زكاك باب حياته العائلية ويجعلنا جزءا منها.
فتغدو شخصية الجدة تمثل كل جداتنا، ولا يمكن تجاهل تكوين علاقة تفرض نفسها على المشاهد بحميميتها وقسوتها وحبها وألمها، من خلال العدسة التي تلعب دور الراوي والذاكرة في سبيل إحياء ما بدا لنا أن هنرييتا نسيته بدءا من أول مشهد في نسيانها لحفيدها زكاك.
فهي التي تجلس على مقعدها نفسه منذ بداية الفيلم بصوت غائر، حركة تكاد تكون قليلة، جسد منكمش، ألم في عيون تتأمل وجوه من يزورها باحثة عن أسمائهم بين ثنايا ذاكرتها التي تأتي وتذهب على وضمات تشعر بفخر بما عاشته وعايشته، في حين أن تلك العدسة نفسها دونت كل تفاصيلها في وجهها المجعد وشفة حملت ابتسامة ساكنة، جلد رفيع وعروق دقيقة بضبابية أطراف الكاميرا التي جعلت من الجدة حبيسة داخلها.
وهنا أصبحت الكاميرا هي المكمل لكل ما فقدته هنرييتا، ليعود زكاك في الذاكرة لمراحل مختلفة من اللمات العائلية، التي كانت فيها الجدة واعية بشكل أكبر، مبرزا بين صور أرشيفية وتفاصيل من تاريخ العائلة العريق والأبناء وبحضور هنرييتا التي وثقت حضور الجميع وبوثائق، عادت بنا لراقصة التانغو والمشاكسة، العاشقة، الأم، كلها سجلت بعدسة مخرج ترك بصعوبة عمق العلاقة وحساسيتها، وكأنه يحاول ترميم نسيانها بالذكريات التي منحته إياها حتى أنه كان يدون ما روته له في إحدى مراحل عمره وهو في عمر 16 عاما.
ربما لا يمكن أبدا إعادة ما سرقه الزمان، إلا أن "يا عمري" ربط بين أواصر القرابة الممحوة بالقرب التصويري، وبين الحب الذي احتضنته هنرييتا للحياة، بدون أي شروط، وهو ما يجعل العائلة حقيقية بين زيارات مخطوفة، وأسماء ووجود تتلاشى مع التقدم في السن وتثير الخوف في الوقت نفسه، ومع كل شمعة عيد ميلاد أطفأتها في الفيلم من أعتاب الذاكرة، محت كل علامات الاستفهام اليومية والمواقف المشكوك فيها.
أما العواطف ونصيبها، فكانت تتنتقل مع حركة الكاميرا، بين أضواء وظلال، ولحظات العناد والمشاعر المتعالية وقوافي الموسيقى والإيقاعات والمحادثات التي تتكرر ولا تنتهي، حتى آخر ابتسامة تظهر فيها هنرييتا على الشاشة، فكانت أقوى من أي صرخة، وأرق من الدموع التي ستذرف، بصمت غير قابل للكسر وخيانة للذاكرة، ابتسمت كما يفعل الحكماء، واحتضنت كل شيء، وهي ذات "104" تجاعيد حفرت الزمان أثرها فيها بحب.
درس في التاريخ
قصة هنرييتا هي عن كل الجدات اللواتي عرفناهن ولم نعرفهن، ترسم خيطا مضيئا وثابتا عن تاريخ لبنان وقادته وقضية الهجرة والاضطراب الداخلي للمسافرين الذين يقررون العودة إلى بلادهم بعد قضاء سنوات عدة في الخارج، حاكها زكاك بصوت وصورة بل ومنحها رائحة لن تتلاشى، في سبيل أن يحافظ على ذاكرتها على قيد الحياة، مبقيا على المفاتيح الأساسية التي تجعلنا أقويا وأعزاء. لم ينسَ فيه ذكر أسماء من عائلته ما بين قسيس وبطريرك وعالم وآخرين كلهم رحلوا قبل جدته التي رحلت أيضا في 2013، لكنه أحياهم مجددا.
وكما قال زكاك في كل مرة وهو يعمل على منتجة واختيار اللقطات المناسبة من الفيلم خلال عملية تحريره، كان يحيي جدته ويدفنها مئات المرات، حتى أعادها بالصورة التي تستحق تكريما لها بهذا الشريط، هي خالدة.
وزكاك عرض آخر فيلم له في عمان في 2015، وهو "كمال جنبلاط: الشاهد والشهادة"، والذي قدم ملامح حيوية من حياة جنبلاط، موثقا مسيرته بناء على بحث مطول وحضوره كزعيم ومفكر لبناني.
الى جانب أفلامه المختلفة التي من أبرزها "ألف ليلة ويا ليالي" (1999)، و"بيروت- وجهات نظر" (2000)، و"لبنان من خلال السينما" (2003)، و"سينما الحرب في لبنان" (2003)، و"حرب السلام" (2007)، و"أصداء شيعية من لبنان" (2007)، و"أصداء سنية من لبنان" (2008)، و"درس في التاريخ" (2009)، و"مرسيدس" (2011)، و"هاني مون 58" (2013)، لا ينفك عن تقديم رؤية مختلفة في كل فيلم، ولكنها لا تخرج من نافذة الواقعية والتاريخ والبحث في دفاتره بنهم وجد واضحين.
وقد فاز "يا عمري" بـجائزة لجنة التحكيم في مهرجان مالمو للسينما العربية بالسويد وقبلها جائزة الاستحقاق من مهرجان أفلام وثائقية بلا حدود بالولايات المتحدة وجائزة تقديرية من "The Impact Docs Awards". وشارك في مهرجانات عالمية عدة وحصل على عرضه العالمي الأول في مهرجان دبي السينمائي الدولي 2016؛ حيث نافس على جائزة المهر الطويل، كما افتتح أيام بيروت السينمائية 2017، وكان الفيلم التسجيلي الوحيد في المسابقة الدولية للأفلام الطويلة بـمهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية وشارك في أيام القاهرة السينمائية ومهرجان الفيلم اللبناني بأستراليا.

التعليق