محمد أبو رمان

مقتل بائع الكتب!

تم نشره في الأربعاء 25 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:09 مـساءً

 تجمع رواية "مقتل بائع الكتب" (التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية البوكر 2017، للروائي العراقي سعد محمد رحيم) عوالم متعددة ومتنوعة ومتداخلة، تلخص جميعها ليس فقط بعض المآسي الحديثة التي مرّ بها العراق، بل أزمات أجيال عراقية وعربية كاملة.
       الرواية تتحدث عن لغز مقتل بائع الكتب السبعيني محمود المرزوقي، لكنّها تعبر من تلك الحادثة إلى تشريح ضمني، ذكي، لشريحة اجتماعية واسعة من المثقفين العرب، من خلال شخصية المرزوقي وصورها وأبعادها المتعددة، التي يتقن الروائي سردها بانسيابية غير مباشرة، لا ينتبه لها القارئ إلاّ في نهاية الرواية، بعد أن يستكشف حجم التناقضات والمفارقات في هذه الشخصية، بل وفي شخصية أجيال عربية شبيهة!
      بطل الرواية محمود المرزوقي هو شخصية متعددة الأبعاد، لا تختلف عن نماذج عديدة نعرفها بصورة يومية، وإن كانت بعض هذه الأبعاد تختلف من شخصية لأخرى، والخيارات الذاتية تتباين إلاّ أنّها – أي تلك الشخصيات المتشابهة للمثقفين العرب- تلتقي عند البدايات والنهايات بصورة واضحة تماماً!
     المرزوقي هو مثقف يساري، سارتري، برجوازي، عراقي دفع كلفة الصراعات الداخلية العراقية بين البعث والشيوعيين في الستينيات، وكان أحد ركّاب ما يسمى قطار الموت، وقضى خمسة أعوام من السجن والتعذيب، وخرج متعباً مسكونا بخيبات عديدة، ليسافر إلى براغ، حيث يؤدي به نزوعه النقدي إلى مشكلة مع السلطات الشيوعية أيضاً، ويفقد حبيبته الشيوعية، التي كانت بالنسبة للسلطات هناك موضع شك، فيغادر إلى باريس ويعيش تجربة حب أخرى، ويقرر فجأة العودة إلى العراق، والحياة فيه بعد الاحتلال، ليفتح مكتبة كتب في مدينته بعقوبة، بما له من إرث مالي عائلي، لكن بعد أن عزف الناس عن القراءة تماماً!
    تداخل مع صورة المثقف اليساري الوجودي بُعد آخر للمرزوقي، ولمن يمثلهم من المثقفين اليساريين العرب، فهو الشاب الوسيم، الذي يرتدي ملابس عصرية، ويبحث عن الفتيات والنساء، ويعتقد أنّه دنجوان عصره، وينتقل من تجربة حب إلى أخرى، ويشاهد الأفلام العالمية ويتابع أبرز النجوم السينمائيين، ويرصد الصيحات الفلسفية والفكرية المتتابعة.
      بطل الرواية أيضاً هو شخصية كارزمية أثّر على كثير من الشباب اليساريين، الذين أعجبوا بنزعته الساخرة النقدية، وبثقافته اليسارية والعالمية الواسعة، لكنّهم وجدوا لاحقاً حجماً كبيراً من التناقضات في شخصيته.
      الصورة الأخرى، التي يقدّمها الروائي عن المرزوقي، وربما هي الأكثر أهمية، وجاءت على لسان أحد مريديه وأصدقائه القدماء، تتمثّل في أنّه المثقف المهزوم الجبان، الذي يظن نفسه يخدع المجتمع وأصدقاءه، بينما هو جزء من ورطة جيل كامل من الشباب الذين آمنوا بالثورية واليسارية، وهو لا يستطيع أن يصمد على فكرته، ولا حتى مواجهة عاقبة أفعاله الصبيانية في ضبط شهواته الجنسية وسخريته التي تحمل فوقية في النظر إلى المجتمع والآخرين!
       لا أريد أن أغوض أكثر في هذه الرواية حتى لا أفسد قراءتها على من لم يقرؤوها بعد، أو أفقدهم دهشة النهايات التي تحمل هي الأخرى دلالات مهمة، لكنّ ما أردت أن أوجزه هنا هو أنّنا أمام رواية من الروايات العراقية الجميلة العميقة، التي يتحفنا بها جيل من الروائيين العراقيين المتميزين، الذين يشرّحون المأساة والأزمة وأبعادها ويغوصون في أزمة الأجيال العربية التي عاشت كل ذلك، مثلما يفعل كلّ من أحمد السعداوي وعلي بدر وغيرهم من روائيين عراقيين على درجة عالية من الثقافة والمعرفة، والاحتراف في صناعة الرواية وإدراك فلسفتها وغاياتها ووظيفتها الاجتماعية والمعرفية على السواء!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »محتوى الرواية (عباس محمد رحيم)

    السبت 28 تشرين الأول / أكتوبر 2017.
    أصبت يا كاتب المقال واحسنت لكن بعض القراء الدغمائيين لم يدركوا فكرة وماهية ومحتوى الرواية الحديثة والمعاصرة كفلسفة هذه الرواية مقتل بائع الكتب انهم يريدون احداث تقليدية كالرواية الكلاسيكية وافلام هندية وتركية ويجب ان ينتقد حتى المثقف