العَلمـانية والدولـة المدنيـة: مآزق النُخب وأوهام العامة (2 - 3)

تم نشره في الخميس 26 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

معـاذ بنـي عامـر

كتجلٍ لـ 1 - مأزق النُخب في تقديم الدولة المدنيـة على العَلمانية، واندماج هذا المأزق مع 2 - وهم العامة في الخلط بين العَلمانية والدولة المدنية؛ ينشأ 1 - مأزق النُخبة الثاني المتمثل بـ الانتقال من طور التراكمات المعرفية إلى طور (كُنْ فيكون)، و2 - وهم العامة الثاني المتمثل بـ: العداء المبدئي لمصطلح العَلمانيـة.
وفي التجلّي اللاحق للحالة الحميمة بين مآزق النُخب وأوهام العامة تنشأ الحالة الخطيرة التي تطيح بمشروع التقدّم، المتمظهرة بـ: المجاملات المعرفية لإرضاء العامة وعدم استفزازهم واستثارة مشاعرهم، بما يُبقي على المشروع العَلماني والدولـة والمدنية في طور الهدر المستمر.
مرةً أخرى، إليكم تفصيلاً بذلك:
واحدة من الإشكالات الكبرى التي تُواجه الطرح العَلماني في تجليه العملاتي؛ أعني الدولة المدنية، (وهو بالضرورة نوع من تركيب خطأ بَعْدي على خطأ قَبْلي؛ فالخطأ القَبْلي متمثل بـ تقديم الدولة المدنية على العَـلمانية، أي تقديم ما هو عملي دون التأسيس له عقلياً؛ والخطأ الثاني متمثل بـ عدم التأسيس لتراكمات معرفية تتناول السرديات التي شكلّت معالم الاجتماع الإنساني بالنقد والتحليل المستمرين، لذا يتم الاستعجال للتأسيس لدولة المدنية)، هو الانتقال من حالة التراكمات المعرفية التي تُؤسس للسؤال الفلسفي في أبعاده المختلفة لتفكيك المنظومات أو السرديات التي كان لها الدور الأساسي في تشكيل معالم الوجود الإنساني بتمظهراته المختلفة.
فالانتقال السريع من مرحلة التأسيس العقلي لأطروحات جديدة تتناول النصوص المُؤسِّسة بالدراسة والبحث دونما ثوابت مسبقة أو قداسات مبدئية، إلى مرحلة التطبيق العملي لشيء غير موجود أساساً، يجعل من أطروحة الدولة المدنيـة بصيغتها العملية دون التأسيس لها عَلمانيـاً، أطروحة مُتهافتة أصلا، فهي كمن يعمل على دهن بيته باللون الأحمر دون أن يكون لديه بيت أساساً، أو كذاك الذي دعا ربّه طويلاً أن يرزقه بولدٍ فلم يستجب له، إلى أن أرسل له الرب ملاكاً يقول له: تزوج أولاً أيها الأحمق.
وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه من تغييب طوعي أو إكراهي للسؤال النقدي أو للسؤال العَلمانـي بإزاء النصوص المُؤسّسة والاشتغال على مواضعات نقدية جديدة في مختلف المجالات، فإنّ النُخب ستنتقل بالتقادم من طور المريض النفسي إلى طور المريض العقلي، أي من حالة العُصاب إلى حالة الذُهان بلغة علم النفس. والفرق بينهما هو أن المريض النفسي يبني قصراً في الهواء، في حين أن المريض العقلي يسكن في هذا القصر!
وهذا بدوره، أعني عدم تقديم أطروحات جديدة، سيُنشئ حالة من العداء المبدئي تجاه ليس العَلمانيـة فحسب لدى العامة، بل والدولة المدنية أيضاً. ففي سياق اجتماعي متدين، سيعتبر المواطن العادي أن الدعوات المحمومة –التي تقفز قفزاً- باتجاه التغيير السريع ناحية الدولة المدنية، هي تهديد حقيقي لمقتنياته الوجودية بالدرجة الأولى، فهو يعيش بأمن وأمان داخل شرنقة نصوصه الدينية التي أسّست له سيكولوجياً واجتماعياً وثقافياً واقتصادياً وآيديولوجياً ومنحته فوق هذا أمناً ميتافيزيقياً. لهذا ستكون الدعوة الفورية إلى الدولة المدنية دعوة انتهاكية بالدرجة الأولى، لذا سينكمش هذا المواطن أكثر ناحية الداخل ويركن ركوناً أخيراً داخل شرنقته، وبالتقادم يصبح الخروج منها أشدّ صعوبة.
من هنا، تنشأ الإشكالية الكبرى في معادلة العَلمانيـة والدولـة المدنيـة، لناحية تقديم تنازلات من قبل النُخب، من شأنها تطمين العامة إلى أن الدولة المدنية لا تستهدف مقتنياتهم الروحية والوجدانية والعقلية، فكل ما تسعى إليه الدولة المدنية هي إقامة دولة قانونية بحيث تتحقق العدالة الاجتماعية، بصفتها مقدمة ضرورية لدولة الرفاه.
ولن تكون هذه الإشكالية منزوعة عن سياقات غياب المشروع العقلي لدى النُخب، فهي لا تحمل على عاتقها أصلاً تفجير مكامن الاجتماع الإنساني عبر طرح حزمة من الأسئلة الفلسفية الجارحة/ المحرجة، القادرة ليس على تفكيك السرديات الناظمة لحركة هذا الاجتماع فقط، بل ومُؤسّسة لأطر ناظمة أيضاً، ستكون صالحة لفترة من الوقت إلى أن يأتي جيل جديد ويُؤسس لأطر جديدة، بما يبقي على شُعلة الأسئلة متوهجة، اقتضاء لواقع صيروة العقل الإنساني الذي يتحقّق تحقّقه الأمثل في الحركة الدائمة، لا في السكون الأبدي.
فمن لا يملك مشروعاً أساساً، أمكنه التنازل عنه بسهولة. والنُخب ليس لديها مشروع فلسفي على المستوى العقلي، لذا من السهل أن تتنازل عنه على المستوى التطبيقي مع أول احتجاج شعبي عليه أو على ما يحيط به. لذا لا تفتأ هذه النُخب تُوضّح للناس أن الدولة المدنية دولة لا تشتغل ضدّ المُسلمات التي يعتمد عليها الناس اعتماداً كلياً في تسيير أمورهم الدنيوية والأخروية، بل إنها تعمد في كثير من الأحيان إلى اعتماد بعض هذه المسلمات كنقاط ارتكاز قصوى في العلاقة التي يمكن أن تجمع بين المُتعلمِن والمُتديِّن. بما يُشكل خيانة ثقافية لناموس العقل الذي لا يمكن التقدّم خطوة واحدة على المستوى الحضاري إلا بإعمال شرطه في مادة هذا العالَم، سواء أكانت مادة محسوسة في الطبيعة أو مادة معنوية في النصوص الدينية أو الفلسفية أو الأدبية أو العلمية. ولربما في الأساس هو لا يعي هذه الخيانة، لأنه لا يتمثلها أصلاً، فعقل غيره أقدر –من جهة- من عقله على تقديم رؤى لتسيير أمور حياته. ومن جهة ثانية هو لا يملك أي رؤية عقلية ليقدمها لغيره، لذا تكون خيانة ناموس العقل من باب تحصيل الحاصل. وذلك الادعّاء بالانفصال عن العامة هو ادعّاء سيكولوجي، فهو لا يشتغل على فروقات جوهرية على المستوى العقلي، بل يشتغل على جملة من الفروقات الشكلية، التي سيظهر زيفها مع أول مواجهة حقيقية مع العامة. ففي النقطة القصوى والأشد وضوحاً النُخب عامة، والعامة نُخب. ولربما كان للكشف عن جوهر العَلمانية والدولة المدنية تحقّقاً أكثر جلاء في مظهرة هذا الطرح، وهذا ما سأعمل عليه في المقالة الثالثة من هذه السلسلة.  

التعليق