عمّنا "غوغل" .. ومثقف المحفوظات!

تم نشره في الجمعة 27 تشرين الأول / أكتوبر 2017. 11:00 مـساءً

لم يـﻌﺪ ﺗﻌﺮيـﻒ اﻟﻤﺜﻘﻒ اﻵن ﻛﻤﺎ ﻛﺎن ﻓﻲ اﻟﻤﺎﺿﻲ؛ أﻗﺼﺪ ﺗﻠﻚ اﻟـهـيـﺒﺔ اﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﻟﻠﺠﺎﻧﺐ اﻟﻤﻌﺮﻓﻲ، وﻟﻠﺸﺨﺺ اﻟﺬي يـﺘﻤﺘﻊ ﺑﺬاﻛﺮة ﻗﺮاﺋـيـﺔ ﻣﺪهـﺸﺔ، ﺣـيـﻦ يـﺨﺘﺰن ﻓﻲ رأﺳـه أرﺷـيـﻔﺎ ﻣﻦ اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎت وﺧﻼﺻﺎت اﻟﻨﻈﺮيـﺎت واﻟﻜﺘﺐ وأﺳﻤﺎء اﻟُﻜﺘّﺎب واﻟﻔﻼﺳﻔﺔ وﻣﻘﻮﻻﺗـهـﻢ.
ﺣـيـﻨـهـﺎ ﻛﺎن اﻹدﻻء ﺑﻌﺪد ﻣﻦ اﻻﺳﺘﺸـهـﺎدات واﻟﻤﺤﻔﻮظات اﻟﻌﻤـيـﻘﺔ أو اﻟﻤﺆﺛﺮة ﻓﻲ أي ﻧﻘﺎش ﻣﺤﱠﻞ إﺑـهـﺎر اﻟﻤﺴﺘﻤﻌـيـﻦ؛ واﻻﻋﺘﺪاد ﺑﺄﺑـيـﺎت ﺷﻌﺮ أو ﺳﻄﺮيـﻦ ﻣﻦ ﻛﺘﺎبُ ﺣﱠﺠﺔً ﻻ ﺗُﺮّد.
اﻵن ﻟﻢ يـﻌﺪ ﺛﻤﺔ ﻗـيـﻤﺔ ﺣﻘـيـﻘـيـﺔ ﻟﺪرس “اﻟﻤﺤﻔﻮظات” هـﺬا؛ ﺣـيـﺚ ﺛﻤﺔ ﻣﻦ يـﺤﻔﻆ ﻋﻨّﺎ ﺟﻤـيـﻌﺎً، أﻗﺼﺪ ﻣﻮاﻗﻊ اﻟﺒﺤﺚ اﻻﻟﻜﺘﺮوﻧـيـﺔ، وﺑﺎﻟﻤﻘﺪﻣﺔ “ﻏﻮﻏﻞ”، فلم يـﻌﺪ ﺿﺮوريـﺎً ﻣﻞء هـﺬه اﻟﻤﺴﺎﺣﺔ اﻟﺜﻤـيـﻨﺔ ﻣﻦ اﻟﺪﻣﺎغ ﺑﺎﻷرﺷـيـﻒ، وإﺷﻐﺎل اﻟﻌﻘﻞ ﺑﺎﻟﺘﺬﻛﺮ، ﻓﺘﻠﻚ ﻣـهـﻤﺔ ﻣـيـﻜﺎﻧـيـﻜـيـﺔ ﺑﺤﺘﺔ، اﺳﺘﻌﺎض ﻋﻨـهـﺎ اﻻﻧﺴﺎن ﺑـ”ﻛﺮت ذاﻛﺮة” ﺧﺎرﺟﻲ، وﺻﺎر ﺑﺈﻣﻜﺎن اﻟﻌﻘﻞ ان يـﺘﻔﺮغ ﻟﻤﺎ هـﻮ أهـﻢ؛ أﻗﺼﺪ أن يـﺼـيـﺮ اﻟﻌﻘﻞ ﺗﺤﻠـيـﻠـيـﺎً، وﻟـيـﺲ ﻣﺠﺮد وﻋﺎء أو ﺨﺰّان معلومات !
اﻟﻤﺜﻘﻒ اﻵن هـﻮ ﺻﺎﺣﺐ اﻟﻌﻘﻞ اﻟﻨﻘﺪي؛ اﻟﺬي يـﻔﻜﻚ اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺔ ويـﻌـيـﺪ اﻗﺘﺮاح ﺑﻨﺎﺋـهـﺎ ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ آﺧﺮ، أو يـﻘﺪم ﻟـهـﺎ ﺗﻔﺎﺳـيـﺮ أﺧﺮى، ﻓﺎﻟﻘـيـﻤﺔ اﻵن ﻟﻠﺮأي، وﻟـيـﺴﺖ ﻟﺤﻔﻆ آراء ﻗﺪيـﻤﺔٍ ﻵﺧﺮيـﻦ !
ﻟـيـﺲ ﺗﻘﻠـيـﻼً، ﺑﺎﻟﻄﺒﻊ، ﻣﻦ ﻗـيـﻤﺔ اﻵﺧﺮيـﻦ، أو ازدراء ﻟﻠﻤﻌﺎرف اﻟﺴﺎﺑﻘﺔ، ودورهـﺎ ﻓﻲ اﻟﺘﺄﺳـيـﺲ ﻟﻤﺎ ﻟﺤﻖ، وﻟﻜﻦ ﻷن اﻟﺤﻔﻆ ﻟﻢ يـﻌﺪ ﻣـهـﱠﻤﺔً ذات ﻗـيـﻤﺔ ﺛﻤـيـﻨﺔ، ﺑﻞ اﻟﻔـهـﻢ وﻣﺴﺘﻮيـﺎت اﻟﻘﺮاءة واﻟﺘﺄويـﻞ هـﻲ اﻷهـﻢ، ﻣﺎ دام ﺛﻤﺔ ﻣﻦ يـﺤﻔﻆ ﻟﻨﺎ، وﺑﺸﻜﻞٍ ﻣﻨﻈٍّﻢ أﻛﺜﺮ، وﻗﺎدر ﻋﻠﻰ اﻟﻔـهـﺮﺳﺔ وﺗﺮﺗـيـﺐ اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺔ ﻓﻲ أدراج ﻗﺮيـﺒﺔٍ وﺑﺎﻟﻤﺘﻨﺎول !
اﻷﻣﺮ يـﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻷوﻟﻮيـﺎت، وﺑﻮظـيـﻔﺔٍ أﺟﺪى للعقل، ﺑﺘﻮﻓـيـﺮ اﻟﺠـهـﺪ اﻟﺬهـﻨﻲ ﻟﺘﺤﻠـيـﻞ اﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺔ وﺗﻘﻠـيـﺒـهـﺎ، وهـﻨﺎ يـﺼـيـﺮ اﻟﺘﻤﺎيـﺰ وﺗﻈـهـﺮ اﻟﻔﺮوﻗﺎت اﻟﻔﺮديـﺔ؛ ﻓﻲ ﺗﻤﺎﺳﻚ اﻟﺮؤيـﺔ وﻗﺪرة اﻟﻔﺮد ﻋﻠﻰ هـﻀﻢ ﻣﺎ ﻗﺮأ وﺧَبِر وإﻋﺎدة اﻧﺘﺎج ذﻟﻚ ﺑﺒﺼﻤﺔٍ ﺧﺎﺻﺔٍ ﻣﺎ أﻣﻜﻦ !
 وﺣﺘﻰ ﻗﺒﻞ ذﻟﻚ ﻟﻢ ﺗﻜﻦ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ يـﻮﻣﺎً هـﻲ اﻟﻘﺮاءة ﻓﺤﺴﺐ؛ ﺣـيـﺚ ﺛﻤﺔ اﻟﻜﺜـيـﺮ ﻣﻦ اﻷﺟـيـﺎل اﻟﺴﺎﺑﻘﺔ ﻣﻦ أﻣـهـﺎﺗﻨﺎ وآﺑﺎﺋﻨﺎ، ﻣﻤﻦ اﺧﺘﺒﺮوا اﻟﺤـيـﺎة ﻋﻠﻰ اﻷرض دون ان يـﻘﺮأوهـﺎ ﻓﻲ اﻟﻜﺘﺐ، وﺗﺠﺎدﻟﻮا ﻣﻌـهـﺎ، واﻧﻜﺴﺮوا او اﻧﺘﺼﺮوا، ﻟﻜﻨـهـﻢ ﻋﻠﻰ أيـﺔ ﺣﺎل ﻛﺎﻧﻮا أﺻﺤﺎب ﻧﻈﺮيـﺎت وﺧﺒﺮات ﻋﻤـيـﻘﺔ ﻣﻜﺘﺴﺒﺔ، دون أن يـﻘﺮأوا ﺳﻄﺮاً واﺣﺪاً .
اﻟﻌّﻢ “ﻏﻮﻏﻞ” يـﺴﺘﻄـيـﻊ اﻵن أن يـﻨﻘﺬ اﻟﻤّﺪﻋـيـﻦ، وأن يـﻤﻸ ﺟـيـﻮﺑـهـﻢ ﺑـ”اﻟﻤﺤﻔﻮظات” ﻟﻜﻨـه ﻟﻦ يـﻜﻮن ﺣﺎﺿﺮاً لينقذ أحدهم حين يـﺘﻌﺮض ﻷي ﺳﺆال ﺗﺤﻠـيـﻠﻲ أو ﻟﻨﻘﺎش ﻓﻲ اﻟﻤﻌﻨﻰ واﻟﺘﺄويـﻞ.
ﻓﺎﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻟـيـﺴﺖ ﻣﺮاﻛﻤﺔ اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ ﺑﻘﺪر ﻣﺎ أن ﺗﻜﻮن ﺣﺎذﻗﺎً ﻓﻲ ﺗﻔﻜـيـﻚ هـﺬه اﻟﻤﻌﺮﻓﺔ، أو ﻓﻲ ﺑﻨﺎﺋـهـﺎ، وﻣﻦ ﺛﱠﻢ ﻗﺪرﺗﻚ ﻋﻠﻰ اﻟﺪﻓﺎع ﻋﻤﺎ ﺑﻨـيـﺖ ﻣﻦ ﻣﻌﺮﻓﺔٍ ﺟﺪيـﺪة، أو ﺷﻜلٍ ﺟﺪيـٍﺪ، أو ﺣّﺠﺘﻚ اﻟﻤﻘﻨﻌﺔ ﻟـهـﺪم ﻣﻌﺮﻓﺔٍ هـﺪﻣﺘـهـﺎ !  

التعليق